وفي هذا أيضاً يقول الشاعر والناقد الأمريكي الكبير ستيفن سبندر (17) :"الشعر ليس مجرد تصوير لحظة احمرار وجنات الحبيبين أو رؤية جمال زهرة أو روعة لون الغروب ، بل الشعر هو الذي يروي الحياة كلها...والشاعر يضع نصب عينيه دائماً الظروف التي تحيط بالحياة ، إذ لا يمكن أن يجرب الحياة دون أن يضطر إلى التفكير في المشاكل الإنسانية الجوهرية . وما النظم السياسة والاجتماعية إلا محاولات لحل هذه المشاكل حتى نستطيع أن نختار الحياة .لذلك نجد أن الشعر يجبر على أن يعيد النظر في هذه الحلول وحينئذ قد يتبين له أنها تتحقق فيها إلى حد ما الشروط الجوهرية للوجود الإنساني ، وقد يتبين له العكس أيضاً ، وبهذا المعنى لا شك أن الشعر نقد للحياة".ويقول الروائي الأمريكي نورمان مالر في مؤتمر أدنبره الذي سبقت الإشارة إليه: (18) "إن الالتزام هو بمثابة طوق النجاة في خضم القيم المتصادمة في عالم اليوم صداماً أفضى إلى الفوضى".
وقد سئل الشاعر والناقد الأمريكي ألن تيت عن مسؤولية الشاعر: أمام من تكون ؟ وعمَّ تكون ؟ فأجاب ما خلاصته (19) "إن دعاة الالتزام في العالم الحر يرون أنه لو نهض الشعراء والأدباء بمسؤولياتهم الأدبية لما وقع النظام الحر فيما وقع فيه من مخاطر. ولما كنا تعرضنا للحرب العالمية الثاني, ورزحنا تحت ويلاتها. كما يرون أن قيام (النازية الهتلرية) يصور إخفاقنا في تطبيق المبادئ الديمقراطية ، وهو إخفاق سببه فقدان الشعور بالمسؤولية لدى أولئك الذين يملكون فن الكلمة ، وهم الكتاب عامة والشعراء خاصة".
موقف الأدب العربي من الالتزام:
قدمنا أن عدداً من كبار الأدباء العرب الذين يعدون من رواد النهضة الأدبية كانوا في موقفهم من الالتزام أقرب إلى الموقف المحايد أو المتردد ، قد رفضوا الالتزام والتسخير الذي يصادر حرية الأديب دون أن يرفضوا عملياً الالتزام الطوعي العفوي.
فبينما نرى طه حسين يلتزم في كثير من نتاجه الأدبي بأفكار معينة ،يعمل على نشرها، ويخوض المعارك الأدبية والفكرية في سبيلها إذا به يقول (20) "وإذن فالذين يقولون: يجب أن يكون الأدب للحياة ، ويظنون أنهم يقولون شيئاً جديداً لا يقولون في حقيقة الأمر شيئاً. فكل أديب في أي أمة من الأمم إنما هو يصور نوعاً من أنواع حياتها.. فأما أن يسخر ليكون وسيلة من وسائل الإصلاح أو سبيلاً من سبل التغيير في حياة الشعوب ، فهذا تفكير لا ينبغي أن نساق إليه ، ولا نتورط فيه . وليس معنى هذا أن الأدب بطبعه عقيم ، وأن الأديب أثِرٌ بطبعه ، ولكن معناه أن الإصلاح والتغيير ، وتحسين حال الشعوب وترقية شؤون الإنسان أشياء تصدر عن الأدب ، كما يصدر الضوء عن الشمس ، وكما يصدر العبير عن الزهرة". ويقول في إحدى المناظرات الأدبية (21) :"لسنا محتاجين دائماً أن نتخذ كل شيء وسيلة ، وأن نجعل كل شيء غاية . إنما نتخذ الأدب غاية في نفسه. ليس من الضروري أن نسخِّر الأدب لهذا الغرض أو ذاك".
وبينما نرى توفيق الحكيم يعلن أن (22) : الأديب يجب أن يكون حراً ، لأن الحرية هي نبع الفن ، وبغير الحرية لا يكون أدب ولا فن". ويقول أيضاً (23) :"إن مطامع الناس شاءت أن تمتد أياديها الفانية إلى هذا الجوهر السامي (الفن) لتسخره لمدح الحكام من أجل المال والثراء ، أو لنشر الدعوة في الدين والسياسة من أجل الثواب أو الجزاء ، ولكن كلمة الفن هي العليا دائماً"، إذا به يستدرك فيقول (24) :"أما إذا كان في الإمكان وجود فن يخدم المجتمع دون أن يفقد ذرة من قيمته الفنية العليا فإني أرحب به ، وأسلم على الفور بأنه الأرقى ، ولكن هذا لا يتهيأ إلا للأفذاذ الذين لا يظهرون في كل زمان". ويقول أيضاً (25) :"هنالك صلة في اعتقادي بين رجل الفن ورجل الدين ، ذلك أن الدين والفن كلاهما (يضيء) من مشكاة واحدة هي ذلك القبس العلوي الذي يملأ قلب الإنسان بالراحة والصفاء والإيمان...وأن مصدر الجمال في الفن هو ذلك الشعور بالسمو الذي يغمر نفس الإنسان عند اتصاله بالأثر الفني .. ومن أجل هذا كان لا بد للفن أن يكون مثل الدين قائماً على قواعد الأخلاق".."
ويقول مرة ثالثة (26) :"لو علم رجل الفن خطر مهمته لفكر دهراً قبل أن يخط سطراً ..وأخيراً يعلن توفيق الحكيم (27) أن"حرية الأديب لا تتنافى عنده مع مبدأ الالتزام ، فهو يريد أن يكون التزام الأديب أو الفنان شيئاً حراً ينبع من أعماق نفسه ..إذ يجب أن يلتزم وهو لا يشعر أنه يلتزم"ثم يصرح توفيق الحكيم بأن أدبه في أكثر كتبه هو من صميم الأدب الملتزم ."