فهرس الكتاب

الصفحة 6216 من 27364

ولعل من المفيد أن نتحدث عن حوار تم بين كل من توفيق الحكيم والعقاد وأحمد أمين على صفحات مجلتي الرسالة والثقافة (28) ، ولباب الحوار لا يخرج عمّا عرف بمذهب الفن للفن مقارناً بمذهب الفن للإصلاح ، إذ دعا الأستاذ أحمد أمين في العدد /275/ من مجلة الثقافة إلى أن يتجه الأدباء إلى المجتمع كما يتجهون إلى أنفسهم ، وإلى أن يتعرف الأديب الحياة الجديدة للأمة العربية ، ويقودها ويجدَّ في إصلاح عيوبها .. ليكون الأديب داعية خير ورسول أمة وراسم هدف . فردَّ عليه الأستاذ توفيق الحكيم في العدد/ 562 من مجلة الرسالة قائلاً: إن أحمد أمين يريد أن يستخدم الأدب في الدعاية الانتخابية والتجارية وما يجري هذا المجرى. وقد ردّ عليه الأستاذ أحمد أمين لأن هناك فرقاً بين الدعوة إلى أن تكون الحياة الاجتماعية والوعي الاجتماعي من مصادر الأدب، وبين الدعوة إلى مادية الأدب وتسخيره للأغراض الوضعية.

وقد سئل العقاد عن هذا النقاش فأجاب بأن اليوم الذي يستخدم فيه الأدب للدعاية الاجتماعية لهو اليوم الذي ينقلب فيه الإنسان طفلاً .. ومضى العقاد يؤيد أن أمل الإنسانية أكبر من أن يتعلق بحاجة الطعام والكساء ، ويحبّذ كلام الأستاذ توفيق الحكيم حين شبه المجتمع الذي يستخدم الفن للرغيف بالطفل الذي يضع الحلية في فمه، لأنه لا يحسن أن يتملاها بنظره. وختم العقاد التعليق بأنه لم يخطّئ أحمد أمين في حرصه على المصالح الاجتماعية ، لأنّه مثلُه يحرص على هذه المصالح ، ولكن الفنون ذات هدف أقوى من النفع المادي.

وقد ردّ الأستاذ أحمد أمين على تعقيب العقاد بما يضيق شقة الخلاف إذ قال (29) : إن الفردية التي يعنيها هي الأنانية والأثرة ، وأن الاجتماعية [ التي يدعو إليها] هي الغيرية والإيثار، وبهذا التحديد يتفق الحكيم والعقاد معه [أو يلزم أن يتفق الأستاذان معه] على أن الرقي الأخلاقي والاجتماعي سائر نحو الاجتماعية. وإذا كانت المشكلة في جوهرها هي مشكلة اتجاه الأدب إلى الفن وحده بعيداً عن الإصلاح أم اتجاهه للفن والإصلاح معاً، فقد حسم الأمر لدى المختلفين جميعاً ، حين يوازنون بين قطعة فنية رائعة تخدم هدفاً إصلاحياً، وقطعة لا تقل عنها جودة تقتصر على الوصف الأدبي دون هدف .. على أن المرادَّ في الفن على التأثير المستَشَف، لا على التقرير السارد. وقد حصر الأستاذ أحمد أمين المجال في أضيق نطاقه حين قال ببساطته الواضحة (30) :"لعل نقطة الخلاف الحقيقية بين الأستاذ الحكيم وبيني هو أنه يريد أن يقدر الفن بجماله فقط ، وأنا أريد أن أقدره بجماله وأخلاقياته معاً".

ومن رواد النهضة الأدبية الذين أخذوا بالالتزام كاتب الإسلام الكبير الأستاذ مصطفى صادق الرافعي الذي التزم بالتصدي لدعاة التغريب في الفكر والأدب.

ومن كبار الأدباء العرب الذين وقفوا من الالتزام هذا الموقف الإيجابي دون أن يكونوا منضوين تحت مذهب أدبي عقدي أو غير عقدي الأديب الكبير محمود تيمور الذي يقرر أن الرسالة الملقاة على عاتق الفنان -أيا كان-هي رسالة إنسانية تقتضي منه"الإحساس بالحياة التي يحياها، والتعمق في المجتمع الذي يعيش فيه،وتزكية ما يلتمع في ذلك المجتمع وفي تلك الحياة من مثل كريمة،تدعو إلى حرية وحق وخير وسلام (31) ."

ويقول الدكتور شوقي ضيف عن علاقة الأديب بالمجتمع (32) :"الذي لا شك فيه أن الأديب لا يكتب أدبه لنفسه ، وإنما يكتبه لمجتمعه . وكل ما يقال عن فرديته المطلقة غير صحيح ، فإنه بمجرد أن يمسك بالقلم يفكر فيمن سيقرؤونه ، ويحاول جاهداً أن يتطابق معهم ، ويعي َ مجتمعهم وعياً كاملاً بكل قضاياه وأحداثه ومشاكله لسبب بسيط ،وهو أنه اجتماعي بطبعه ، ومن ثَمَّ كانت مطالبته أن يكون اجتماعياً في أدبه مطالبة طبيعية".

ومن الأدباء الذين نادوا بالالتزام الناقد المعروف الأستاذ محمد النويهي الذي ألف كتاباً سماه"الأدب الهادف"وكان من قوله فيه (33) :"الرسالة الملقاة على عاتق الفنان - أيا كان- هي رسالة إنسانية تقتضي منه الإحساس بالحياة التي يحياها ، والتعمق في المجتمع الذي يعيش فيه ، وتزكية ما يلتمع في ذلك المجتمع وفي تلك الحياة من مثل كريمة ، تدعو إلى حرية وحق وخير وسلام".

أما الأدباء والنقاد الذين أخذوا بالالتزام منطلقين من مذاهب عقدية متنوعة فقد كانوا فريقين اثنين: فريق يلتزم بالمذاهب العقدية المأخوذة عن الغرب وهي المذاهب الاشتراكية والوجودية والحداثية بصورة عامة، وفريق يلتزم بالتصور الإسلامي الذي جاء رداً على التزام الفريق الأول .

يقول الأستاذ غالي شكري مؤكداً التزام الشاعر المعاصر بالمذاهب العقدية (34) :"والحق أنه إذا أثير السؤال: هل للشاعر الحديث إيديولوجية أم لا؟ .. أجبنا على الفور بأن الشعر لم يكن في يوم من الأيام إيديولوجياً بالمعنى العميق المسؤول ، كما هو الآن".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت