ويتحدث الدكتور إحسان عباس عن تداخل السيريالية والماركسية والوجودية في الشعر العربي المعاصر فيقول (35) :"هذان - أي السيريالية والماركسية- تياران ثوريان يفعلان بعمق في الشعر العربي المعاصر ، ويتبنيان قضية الالتزام ، فإذا أضفت إليهما تياراً ثورياً ثالثاً يأخذ من هذا وذاك ، وهو التيار الوجودي ، الذي يبني مضمونه للأدب والشعر على أساس من الالتزام أيضاً وَضُحَ لك أن تطبيق مفهوم الالتزام لن يتحدّد في شكل واحد، ولكنه يجيء على أشكال متفاوتة تنبني جميعاً على أصل مشترك هو الدفاع عن إنسانية الإنسان".
ولعل الدكتور إحسان عباس- وهو منحاز إلى الملتزمين بهذه التيارات- يكون أكثر إنصافاً لو قال: إن الأصل المشترك بين هذه الفئات المختلفة هو الاتجاه اليساري الذي يتحدث الدكتور إبراهيم الحاوي عن محاوره فيقول (36) :"وتبنّى الشعر المعاصر قيماً محددة فرضها عليه الواقع السياسي الذي مرّت به الأمة العربية منذ نكبة فلسطين عام 1948م. وتحدّد مضمون هذه القيم بالثورية حيناً ، والتمرد والرفض حيناً آخر، حتى كادت هذه المضامين تستحوذ على اهتمامات معظم الشعراء في بلدان العالم العربي المختلفة ، وتصبح النزعات المسيطرة والسمات الواضحة لاتجاهات الشعر المعاصر وميوله".
وعندما سقطت الواقعية الاشتراكية بسقوط النظام الشيوعي في الاتحاد السوفيتي كان لسقوطها صدىً كبير أدى إلى إحباط النقاد الملتزمين بها .. وسرعان ما تخلّوا عن الانتساب المباشر إليها ليعملوا مع ألفافهم من الوجوديين ودعاة الواقعية بأنواعها وسائر الملتزمين بتيار التغريب تحت اسم جديد هو"التنويريون"وتحت خيمة واحدة استظلوا بها جميعاً ، وهي خيمة"الحداثة"الفلسفية الشاملة التي كان أدونيس رافع لوائها ومنظرها الأول.
وقد بيّن أدونيس بكل صراحة أن الحداثة ليست تحديثاً للشكل ، وإن كانت قد انطلقت من دعوى التجديد في الشكل الشعري لتصل إلى مضمون الحديثة بمعناها الفلسفي الشامل ، وهذا ما عبّر عنه أدونيس بقوله (37) :"لا يكفي أن يتحدث الشاعر عن ضرورة الثورة على التقليد ، وإنما عليه أن يتبنّى الحداثة. وليست الحداثة أن يكتب قصيدة ذات شكل مستحدث ، شكل لم يعرفه الماضي بل الحداثة موقف وعقلية ، إنها طريقة نظر وطريقة فيهم ، وهي فوق ذلك وقبله:ممارسة ومعاناة ، إنها قبول بكل مستلزمات الحداثة: الكشف ، والمغامرة ، واحتضان المجهول".
وهكذا تجلّت حقيقة الحداثة في قول كمال أبو ديب في مجلة فصول (38) :"الحداثة انقطاع معرفي ، ذلك أن مصادرها المعرفية لا تكمن في المصادر المعرفية للتراث في كتب ابن خلدون الأربعة، أو في اللغة المؤسساتية والفكر الديني وكون الله مركز الوجود.. الحداثة انقطاع لأن مصدرها المعرفية هي اللغة البكر والفكر العلماني (اللاديني) وكون الإنسان مركز الوجود ، وكون الشعب الخاضع للسلطة مدار النشاط الفني ، وكون الداخل مصدر المعرفة اليقينية ، إذا كان هناك معرفة يقينية ، وكون الفن خلقاً لواقع جديد".
كما تجلّت حقيقة الحداثة في قول أودنيس في كتابه"مقدمة للشعر العربي (39) :"إنها -أي الحداثة- تجاوز الواقع أو اللاعقلانية ، أي الثورة على قوانين المعرفة العقلية ، وعلى المنطق ، وعلى الشريعة من حيث هي أحكام تقليدية ، تُعنى بالظاهر .. وهذا الثورة تَعني التوكيد على الباطن ، وتَعني الخلاص من المقدس وإباحة كل شيء"."
ومن هنا أظهر الدكتور محمد مصطفى هدارة في محاضرة ألقاها في مركز الملك فيصل للدراسات الإسلامية تم نشرها في كتابه"دراسات في النقد الأدبي"خطرَ هذه الحداثة المدمرة الحالقة لكل شيء إذ يقول (40) :"والحقيقة أن الحداثة أخطر من ذلك بكثير ، فهي اتجاه فكري أشد خطورة من الليبرالية ، والعلمانية ، والماركسية ، وكلّ ما عرفته البشرية من مذاهب واتجاهات هدامة ، ذلك أنها تتضمن كل هذه المذاهب والاتجاهات ، وهي لا تخص مجالات الإبداع الفني أو النقد الأدبي ، ولكنها تعمّ الحياة الإنسانية في كل مجالاتها المادية والفكرية على السواء .. وهي بمفهومها الاصطلاحي اتجاه جديد بشكل ثورة كاملة على كل ما كان ، وما هو كائن في المجتمع".
على أن من الإنصاف أن نقول: إن كثرة من الحداثيين في هذا البلد الكريم أعلنوا رفضهم لحداثة أدونيس ، وتبنوا الحداثة على أنها تجديد فني يلتزم بثوابت الدين ، ولا يقبل القطيعة مع التراث.
موقف الأدب الإسلامي من الالتزام:
وأمام طغيان الإلزام الشيوعي والالتزام بالوجودية والواقعية المنحرفة والحداثة الفلسفية المدمرة لم يكن ثمة بد من الدعوة إلى الالتزام الإسلامي في الأدب.
فما هو هذا الالتزام الإسلامي ؟وما هي حجيته ومسوغاته؟وما هي خصائصه وسماته ؟.
وأول ما يقال في الرد على هذه التساؤلات أن الأدب الإسلامي أدب هادف ملتزم ، بل لا يتصور وجود الأدب الإسلامي دون التزام..ذلك أننا يمكن أن نعرف الإنسان المسلم بأنه إنسان ملتزم بالإسلام لن والأديب المسلم إنسان مسلم فهو بالضرورة ملتزم بالإسلام..إلا أن يكون إسلامه اسمياً بالهُويّة فقط ، أو لا يكون فاهماً لحقيقة الإسلام.