والأديب الإسلامي مسلم أولاً ، ثم أديب ثانياً ، وليس للأديب - كما يقول الأستاذ محمد قطب - خصوصية تبيح له أن يخرج عن الإسلام بحجة الموهبة الأدبية، فالموهبة الأدبية لا تستلزم الخروج عن حدود الدين.
وفي بدهية الالتزام الإسلامي في الأدب يقول الأستاذ محمد قطب أيضاً (41) :"إن المفروض على المسلم أن يعيش الإسلام في كل دقيقة من حياته ، فالله عز وجل يقول:"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون". وهذا العبير القرآني يعني أن غاية الوجود البشري محصورة في عبادة الله ، ولكن هذا المعنى قد يحتاج في أجيالنا المتأخرة إلى توضيح ..على خلاف الأجيال الأولى التي لم تكن تتصور أن العبادة هي الشعائر فقط.. ولو تصورنا أن العبادة محصورة في هذه الشعائر..فكم تستغرق إذن من عمر الإنسان ؟ لا يستغرق ذلك إلا جزءاً قليلاً منه، ففيم ينقضي عمر الإنسان ؟ في العبادة أم خارجها ؟ لو كان خارجها ما كنا كما أراد الله أن نكون..ولو كان ينقضي داخلها فيجب أن نوسع مفهوم العبادة. فلا نقصرها على الشعائر فقط ، وهذه العبادة المقصودة في الآية الكريمة تشمل الحياة كلها بمختلف أنشطتها. وبما أن الأدب التعبير الجمالي هو نشاط بشري ، لزم إذن أن يكون ضمن دائرة الإسلام التي شملت كل نشاط الجمالي في حياتنا. ومن البدهيات أيضاً أن المسلم -أدبياً أو غير أديب- يجب أن تكون حياته داخل دائرة العبادة الإسلامية. وكذلك النشاط الأدبي يجب أن يكون ملتزماً بتلك الدائرة ، فلا يظنَّ الأديب أنه في مجال الأدب يسقط عنه التكليف فيفكر كيف يشاء ، ويكتب كيف يشاء.. فهذا خطأ ، والصحيح أن يشعر أنه مسلم أولاً، وأديب ثانياً ، فيكون نشاطه ملتزماً بالعبادة في مفهومها الواسع".
وفي القرآن الكريم أيضاً نجد مسوغاً آخر للالتزام الإسلامي في الأدب ، فالله عز وجل يقول (42) : ( والشعراء يتبعهم الغاوون *ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون * إلا اللذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون *) .
وهذه الآيات الكريمة تعني أن الشعراء سيكونون دائماً عرضة للغواية والإغواء إلا أن يلتزموا بالصفات التالية:
1)أن يكونوا مؤمنين حقاً:"إلا الذين آمنوا...".
2)أن يكون إيمانهم مصدقاً بالعمل الصالح:"وعملوا الصالحات".
3)أن يكثروا من ذكر الله حتى تتحقق فيهم تقوى الله:"وذكروا الله كثيراً".
4)وأن يكون شعرهم سلاحاً ينتصرون به من الظلم:"وانتصروا من بعد ما ظلمونا".
وهذه السمات الأربع التي تميز الشعراء المؤمنين هي التي تحدد التزامهم بالإسلام قولاً وعملاً ،وهي التي تجعل الشعر سلاحاً بأيدي المؤمنين كما جعله رسول ا صلى الله عليه وسلم في المعركة التي دارت رحاها بين الإسلام ومشركي قريش ، حين قال أصحابه (43) :"جاهدوا المشركين بألسنتكم". وقال أيضاً:"اهجوا قريشاً فإنه أشد عليها من رشق النبل. وكان من قوله صلى الله عليه وسلم"أمرت عبد الله بن رواحة فقال وأحسن ، وأمرت كعب بن مالك فقال وأحسن ، وأمرت حسان بن ثابت فشفى واشتفى"."
قالت عائشة فسمعت رسول ا صلى الله عليه وسلم يقول لحسان: إن روح القدس لا يزال يؤيدك، نافحت عن الله ورسوله، وقالت عائشة: سمعت رسول ا صلى الله عليه وسلم يقول: هجاهم حسان فشفى واشتفى" (44) ."
والالتزام في الأدب الإسلامي التزام عقدي، والعقيدة في الفن سمو به إلى أكبر حقيقة في الكون ، (وهي عقيدة التوحيد ) وهذا ما يجعل الفن كونياً واسعاً (45) .
والالتزام في الأدب الإسلامي التزام عفوي لأنه لا إكراه في الدين، ولأن الله عز وجل يقول في كتابه العزيز"أفنلزمكموها وأنتم لها كارهون"ولأن الالتزام في الأدب الإسلامي التزام عفوي فهو لا يفسد التجربة الأدبية ولا يجعلها ضيقة مصطنعة، أو مزيفة.
والالتزام شامل لكل التجارب الإنسانية في كل زمان ومكان. ومن هنا كان تعريف الأدب الإسلامي بأنه التعبير الفني الهادف عن الإنسان والحياة والكون وفق التصور الإسلامي. وما دام الأدب الإسلامي قائماً على التصور الإسلامي الصحيح فلن يَضل ولن يُضل إن شاء الله.
وفي مجال الدعوة إلى هذا الأدب الذي ينطلق من عقيدة الأمة وتراثها يقول الدكتور محمد مصطفى هدارة:" (46) فإذا دعونا إلى أدب إسلامي عنينا به مذهباً أدبيا له خصائصه الفكرية والفنية ، التي تعبر عن شخصيتنا الإسلامي وتراثنا .. وقاعدته الفكرية التي ينطلق منها هي الإسلام، وهو أرقى وأشمل في نظرته للكون والإنسان من كل الفلسفات المثالية والعقلية والمادية التي قامت عليها المذاهب الأدبية المختلفة ، وهو لا ينبع من تعصب فكري ، ولا يؤمن بالمفارقة بين ما تدعو إليه العقيدة من التزام ديني ، وما يدعو إليه الفن من انطلاق وتحرر لتحقيق الجمال ومتعة الذوق".
*رئيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية
ورئيس تحرير مجلة الأدب الإسلامي . (1) - الاشتراكية والأدب- وليس عوض 180 ( نقلا عن الالتزام الإسلامي في الشعر ، د. ناصر الخنين ص 26)
(2) النقد الأدبي الحديث- محمد غنيمي هلال 456.