1 قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لشريح القاضي:"فأي الأمرين شئت فخذ به"، المراد منه الأخذ بالاجتهاد أو تركه، وليس المراد الانتقاء من الأحكام التي ظهرت له في الواقعة الواحدة فيتخير لها ما شاء من الأقوال.
ويدل على ذلك اللفظ الآخر للأثر، وفيه:"...فإن شئت أن تجتهد رأيك فتقدم، وإن شئت أن تتأخر فتأخر، وما أرى التأخر إلا خيراً لك" (7) .
2 قول سفيان الثوري رحمه الله: إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه، وأنت ترى غيره فلا تنهه،أه. محمول على الاختلاف المعتبر، الذي يعذر فيه المخالف، لا أنه يسوغ أي خلاف؛ فإن سفيان الثوري رحمه الله معروف بشدته في الحق، وقيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثم فيه أيضاً بيان للموقف الصحيح من الخلاف المعتبر، وقد قال يحيى بن سعيد رحمه الله: ما برح المفتون يستفتون، فيحل هذا، ويحرم هذا، فلا يرى المحرم أن المحلل هلك لتحليله، ولا يرى المحلل أن المحرم هلك لتحريمه (8) .
وكذا قال غير واحد من الأئمة: ليس للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه، (9) وهو ما عرف فيما بعد ب"الإنكار في مسائل الخلاف".
وهنا يجب أن نقف وقفة علمية مع هذا المصطلح؛ فإن مسائل الخلاف منها ما هو محل للاجتهاد، ومنها ماليس كذلك، وحينئذ يجب التفريق بينهما.
فمسائل الاجتهاد هي المسائل التي لا تظهر فيها الأدلة ظهوراً بيناً يوجب العمل بها ، وإنما أدلتها خفية أو متعارضة، فهذه محل للاجتهاد وإمعان النظر فيها.
بينما مسائل الخلاف هي كل مسألة اختلف فيها العلماء، سواء ظهر دليلها أو لا.
وعلى هذا فمسائل الخلاف أعم من مسائل الاجتهاد؛ إذ كل مسألة اجتهادية خلافية، لكن ليس كل مسائل الخلاف اجتهادية، وكل ما ذكره العلماء في عدم الإنكار في مسائل الخلاف إنما يعنون به"مسائل الاجتهاد"؛ ولهذا قالوا: ليس كل خلاف معتبر، كما سبق بيانه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
قولهم:"ومسائل الخلاف لا إنكار فيها"ليس بصحيح؛ فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل.
أما الأول: فإن كان القول يخالف سنة، أو إجماعاً قديماً، وجب إنكاره وفاقاً. وإن لم يكن كذلك فإنه ينكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول: المصيب واحد، وهم عامة السلف والفقهاء.
وأما العمل إذا كان على خلاف سنة أو إجماع؛ وجب إنكاره أيضاً بحسب درجات الإنكار... وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع، وللاجتهاد فيها مساغ فلا ينكر على من عمل بها مجتهداً أو مقلداً.
وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد، كما يعتقد ذلك طوائف من الناس، والصواب الذي عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد مالم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوباً ظاهراً مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه، فيسوغ له الاجتهاد؛ لتعارض الأدلة المقاربة أو لخفاء الأدلة فيها.أه (10) .
3 وأما قول سفيان الثوري رحمه الله: إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة...، فليس مراده بالرخصة ههنا ما يؤثر عن العلماء من زلات وهفوات، أو ما يوجد في المذاهب من تيسيرات مخالفة للدليل،... أبداً، وإنما مراده بالرخصة ما يذكره الأئمة من تخريجات حسنة مبنية على أدلة الشرع ومراعاة أصوله، كحال"الحيل"، فإن منها حيلاً محرمة لما فيها من التلاعب بالشرع، ومنها حيل شرعية جاءت على وفق النصوص، وحينئذٍ يكون تسميته لها ب:"الرخصة"تجوز في العبارة، كتسمية الحيل الشرعية ب:"الحيل"مع أنها مخارج شرعية قام الدليل على اعتبارها تيسيراً للمكلف، وإبعاداً له عن جنف الإثم.
وتأمل قوله:"من ثقة"، فإن وصف"الثقة"عزيز، وهو قيد لمن تقبل منه تلك الرخص، والمتتبع لزلات العلماء، المتشرب بالشاذ من العلم، المتفقه على المهجور منه، الصائر إلى الأقوال بالتشهي، المنتقي من الآراء بالتلهي؛ لايعد عالماً بَلَه ثقة.
4 وأما قول إياس بن معاوية رحمه الله:"إنه لتأتيني القضية أعرف لها وجهين، فأيهما أخذت به عرفت أني قد قضيت بالحق"، فمقصوده أنه قد تبين له وجهان صحيحان من الحق، وكل وجه منهما يصلح حلاً للقضية.
ولايجوز أن يحمل مراده على أنه يعرف للقضية حكمين، ثم هو لايدري أيهما الحق، أو يدري أن الحق في أحدهما ثم لايبالي أن يحكم بغيره، فكلا الاحتمالين باطل؛ لأن الأول قضاء بالجهل، والثاني قضاء بالزور والبهتان، وحينئذٍ يكون القاضي إياس ابن معاوية بقولته هذه متبجحاً بالباطل، مظهراً للمنكر، شاهداً على نفسه بالإثم والعدوان، وهذا يخالف ما عرف من سيرته رحمه الله.
ومما يؤكد ذلك أن الوجه الخطأ المخالف للشرع لاعبرة به في حل القضية، فوجوده وعدمه سواء، وحينئذٍ يكون قوله:"أعرف لها وجهين"كذباً وافتراء؛ لسببين:
أ أن الوجه الباطل غير معتبر شرعاً، فلا يجوز عدُّه حلاً من حلول القضية.
ب أنه لو أراد الاعتداد بالوجه الباطل فإن الوجوه الباطلة لا تنحصر في عدد معين، بل هي كثيرة بكثرة الأهواء والإرادات، فضلاً عن حصرها في اثنين فقط، فلو أراد القاضي إياس أن يحكم في القضية بالباطل، أو بالجهل، أو بالتشهي، أو بغير ذلك، لكانت موارد الشر عنده كثيرة جداً وليست محصورة في"وجهين".