فهرس الكتاب

الصفحة 15046 من 27364

5 وأما قول عمر بن عبدالعزيز، والقاسم بن محمد رحمهما الله، فقد سبق بيان المراد منه؛ ولكن نزيد الأمر بياناً، فنقول:

ما ورد عن بعض السلف من أن الله تعالى قد نفع باختلاف الصحابة، إنما مرادهم بذلك والله أعلم أنه لا يمكن أن تُعرف مسالك الخلاف، وآدابه، وطرق الخروج منه؛ إلا بوجود نماذج يحتذى بها من سلف هذه الأمة، ممن قد خلصوا من شوائب المذهبية، وتخلصوا من فساد الطوية، يرسمون للأمة طريقة التفقه، وطرق الاستنباط، ويبينون خطوط"المسيرة العلمية"من بدأة النظر في الأدلة إلى الموقف الرشيد من المخالف.

فكان الصحابة رضي الله عنهم أحق الناس بهذه الرتبة المنيفة؛ لأنهم خير الأمة، وأبرها، وأعمقها فقهاً، وعصرهم أبرك العصور، وقرنهم خير القرون، فحصل الخلاف العلمي بينهم لتتعلم الأمة بعدهم ما يتعلق به من قضايا، وتتبين حقيقته، وأبوابه، وطريقته؛ إذ لا يتصور وقوع الخلاف بين الصحابة والرسولل لأنهم لم يكونوا ليخالفوه، لعلمهم أنه لاتجوز مخالفته بحال، فبقيت القسمة فيما بينهم، ليحتمل بعضهم خلاف بعض، ثم ينظر ما ثمره ونتاجه.

ومن المعلوم أن كل العبادات قد أخذت من النبي جملة وتفصيلاً، وكان هو القدوة في ذلك، والاجتهاد عبادة من العبادات، لكن وقوع الاختلاف لم يكن ليظهر بشكله اللاحق على عهده ؛ إذ كلمة الفصل عنده، فلما وقع الاختلاف في عصر الصحابة رضي الله عنهم كثمرة من ثمرات تلك العبادة (الاجتهاد) ، عرفنا كيف نتعامل معه، وما موقفنا منه، بسبب ما قيضه الله عز وجل لنا من اختلاف الصحابة ولم يكن ليتأتى ذلك بغير هذا ، فنفع الله به نفعاً عظيماً لمن جاء بعدهم، وكان رحمة للناس أنهم لم يوكلوا إلى أنفسهم بلاقدوات صالحة تكون لهم سلفاً يستضاء به.

ثالثاً: الجواب عما ذكروه من الدليل العقلي:

عند النظر والتأمل في استدلالهم العقلي على ما ذهبوا إليه، نجد أنه يتركب من عدة قضايا، وكل قضية منها تحتاج إلى براهين ومقدمات لإثباتها، ثم نجده أيضاً عبارة عن مزيج من الأوهام خلطت خلطاً لا منطقياً، فأفرز لنا هذا النتاج المعقد من الاستدلال.

لكن خلاصة هذا الاستدلال وفحواه تدور حول نقطة واحدة، هي مرتكزهم في هذا الإشكال، ألا وهي:

تقديس أقوال الأئمة، وإنزالها منزلة النصوص، وإضفاء الشرعية عليها، واتخاذ آراء العلماء ديناً مسلماً،ونصب المذاهب مكان الكتاب والسنة، فإليها الورود، وعنها الصدور.

ثم بنوا على ذلك أنه لايلزم المكلف حينئذ إلا الانتقاء منها، واختيار المناسب له؛ لأن جميعها في الميزان سواء، كحال السنن الواردة على هيئات متعددة، وصور متنوعة، بأيها أخذ المكلف أجزأه ذلك، فهذا هو زبدة استدلالهم.

وفي الحق، فإن هذه مغالطة مبطنة؛ لأن فيها تجاوزاً للحقيقة والواقع.

فأما الحقيقة؛ فلأن"الدين"محصور في الكتاب والسنة فقط، وأما أقوال العلماء فليست بدين، ولا شرطاً فيه، ولا جزءاً من ماهيته، وإنما هي مفاتيح لفهم النصوص الشرعية، ووسيلة لاستبيان المراد، وآلة لاستيضاح المقصود لاغير، فمن المجازفة البعيدة الرقي بهذه الأقوال إلى درجة الديانة، هي مهمة لكن أهمية وسائل لا أهمية مقاصد، والوسيلة إلى شيء ليست هي ذاته وكنهه.

قال عبدالله بن المبارك رحمه الله: ليكن الأمر الذي تعتمدون عليه هذا الأثر، وخذوا من الرأي ما يفسر لكم الحديث (11) .

وأما الواقع؛ فلأن الأئمة أنفسهم صرحوا في مواطن كثيرة، وخلال حقب متعاقبة، وأذاعوا ذلك للناس، ونشروه في مجامع العلم؛ حتى أصبح من الأمر البين الظاهر ظهور الشمس في رائعة النهار؛ أن أقوالهم ليست بدين يدان الله به، وليست بحجة على أحد من الخلق، وإنما هي آراء ظهرت لهم من خلال التفقه في النصوص الشرعية، فكلامهم من قبيل"الرأي"وفيه ما فيه.

قال الإمام أحمد رحمه الله: رأي الأوزاعي، ورأي مالك، ورأي سفيان؛ كله رأي، وهو عندي سواء، إنما الحجة في الآثار (12) .

وقال الشاطبي رحمه الله: وفي تحكيم الرجال من غير التفات إلى كونهم وسائل للحكم الشرعي المطلوب شرعاً ضلال، وأن الحجة القاطعة والحاكم الأعلى هو الشرع لاغير (13) .

ولأجل ذلك ذكروا أن الأصل عدم تدوين أقوال العلماء؛ لأننا غير متعبدين بها، وإنما الواجب تدوين كلام الله وكلام رسوله ، ولكن الأئمة دونوا كلام من سبقهم لما رأوا فيه من الفائدة، فإن أقوالهم شارحة للنصوص، مبينة لمعانيها، فتفتح الذهن، وتفتق العقل، وتكون عند الطالب ملكة فقهية، ودربة على كيفية معالجة المسائل الاجتهادية في النوازل والوقائع.

قال شرف الدين التلمساني رحمه الله: وفائدة تدوين المذاهب، ونقل الأقوال؛ معرفة طرق الإرشاد، وكيفية بناء الحوادث بعضها على بعض، ومعرفة المتفق عليه من المختلف فيه (14) .

وما وقعوا فيه من سوء الفهم هذا أصله ناشئ من الغفلة عن الفرق بين نصوص الكتاب والسنة وبين كلام العلماء، فالنصوص أصل قائم بذاته لايحتاج إلى غيره، ولايفتقر إلى سواه، بل متى ثبت النص الشرعي، وبان وجه الدلالة منه؛ كان كافياً في العمل والتدين به، بينما كلام العلماء ليس أصلاً قائماً بذاته، بل هو مفتقر إلى نصوص الشرع لاعتباره واعتماده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت