زد على ذلك أن نصوص الكتاب والسنة وحي منزل لها خاصية العصمة، بخلاف كلام العلماء الموصوم بكل ما يليق ببشريتهم.
فلا يجوز لأحد من الخلق أن يقرر حكماً شرعياً ثم يستدل له بكلام أحد من الأئمة، فيجعله حجة بينه وبين الله من جهة، وبينه وبين العباد من جهة أخرى؛ لأن كلام هذا الإمام، أو ذاك يفتقر إلى دليل يعضده، ويستند إليه، وإلا لم يكن شيئاً يذكر.
فأقوال الأئمة مالم ترتكز على الدليل، وتنطلق منه لم يكن لها اعتبار في ميزان القبول والرد؛ ولهذا وجب على الجميع أن يتخذوا من النصوص الشرعية ملجأً وملاذاً؛ ليكون كلامهم مقبولاً، وقولهم مسموعاً، كما هو حال العلماء الربانيين.
وحين نؤكد على هذه المسألة فليس مرادنا من وجوب انطلاقهم من النصوص أن تكون أقوالهم حجة على النصوص، أو اتخاذها ديناً يلزم الناس به، أو أنه يمكن قبولها بمنأى عن عرضها على الكتاب والسنة كما ظن هؤلاء... حاشا، كيف وآثارهم طافحة بالنهي عن تقليدهم، والكراهة لنقل أقوالهم وتدوين آرائهم!
قال ابن بطة العكبري رحمه الله (387ه) : وكذلك اختلف الفقهاء من التابعين، ومن بعدهم من أئمة المسلمين في فروع الأحكام، وأجمعوا على أصولها، فكل احتج بآية من الكتاب تأول باطنها، واحتج من خالفه بظاهرها، أو بسنة عن رسول الله ، كان صواب المصيب منهم رحمة ورضواناً، وخطؤه عفواً وغفراناً؛ لأن الذي اختاره كل واحد منهم ليس بشريعة شرعها، ولا سنة سنها، وإنما هو فرع اتفق هو ومن خالفه فيه على الأصل، كإجماعهم على وجوب غسل أعضاء الوضوء في الطهارة كما سماها الله في القرآن، واختلافهم في المضمضة والاستنشاق، فبعضهم ألحقها بالفرائض، وألحقها آخرون بالسنة (15) .
ولأجل ذلك قرر أهل العلم قاعدة مهمة في هذا الباب، وهي قولهم:"أقوال أهل العلم يحتج لها بالأدلة الشرعية، ولايحتج بها على الأدلة الشرعية".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"وليس لأحد أن يحتج بقول أحد في مسائل النزاع، وإنما الحجة: النص، والإجماع، ودليل مستنبط من ذلك، تقرر مقدماته بالأدلة الشرعية لا بأقوال بعض العلماء، فإن أقوال العلماء يحتج لها بالأدلة الشرعية، ولا يحتج بها على الأدلة الشرعية" (16) .
"وأما قولكم: والأخذ بالرخص أمر محبوب، ودين الله يسر، وما جعل علينا في الدين من حرج، فجوابه: أن ذلك في الرخص المعهودة العامة، كالقصر في السفر الطويل، والفطر فيه، والجمع في السفر وليلة المطر، والمسح على الخفين، وأشباه ذلك."
وأما تتبع أخف المذاهب، وأوفقها لطبع الصائر إليها والذاهب، فمما لايجوز فضلاً عن كونه محبوباً مطلوباً" (17) ."
وقفات أخيرة:
وفي نهاية المطاف، وبعد طول التطواف، أجد نفسي متوجهاً إلى أمة الإسلام لأهديها ثلاث نصائح غاليات، ومن الغش والغبن خالصات، عسى أن ينفع الله بها.
النصيحة الأولى:
لايجوز لنا بأي حال أن نتخذ"الاختلاف"ذريعة للتملص من أحكام الشريعة، أو لضرب أقوال العلماء بعضها ببعض، أو نجعله فرصة لتتبع الشاذ من الفتاوى، والساقط من الآراء التي قد لايخلو منها مذهب من المذاهب الفقهية المعتبرة؛ فإن ذلك دليل على خلو القلب من تعظيم الرب سبحانه، وعلى الغفلة عن لقائه وجزائه.
النصيحة الثانية:
حذار يا أمتي ممن يتشدقون بالفقه وليسوا بفقهاء، ويتطاولون على العلم وليسوا بعلماء، همُّ أحدهم أن يزين الكلمات، ويشقشق العبارات، ثم ليس تحت ذلك من طائل.
نخافهم... ونخوّف منهم، وحق لنا أن نخاف مما خافه النبي علينا، ففي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن رسول الله قال:"أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان، يجادل بالقرآن" (18) .
يا أمتي، إياك أن ترفعي من لا قدر له، ولا علم عنده، ولا خشية لله فيه، واحذري من"المتفيقهين"أصحاب الدعاوى العريضة، ممن يشهرهم الإعلام على أنهم أعلام وليسوا إلا أهل كلام.. وأي كلام، والذين إذا تكلموا أتوا بالعجائب! فيذكرون الدليل بغير دلالة، ويجتهدون من دون آلة، بل ويجتهدون فيما لا اجتهاد فيه!!"فويل للمتفقهين، لغير العبادة، والمستحلين الحرمات بالشبهات" (19) .
ورحم الله الإمام أبا حنيفة، فإنه جعل"المفتي الماجن"أحط منزلة من السفيه، فقد قال بوجوب الحجر على"المفتي الماجن"مع أن مذهبه عدم الحجر على السفيه إن كان حراً عاقلاً بالغاً، وإنما استثنى"المفتي الماجن"من ذلك لعموم الضرر به في الأديان، فإنه يفسد دين المسلمين (20) .
ووالله ثم والله، إن في زماننا هذا من هم أحق بالسجن من السراق؛ لإفسادهم العلم، وتخريبهم الفقه، آذوا الصالحين، وأتعبوا المصلحين، ومل من صنيعهم الجادون من أهل البصيرة، أما هديهم وسمتهم فإلى الله المشتكى، آه... ليتهم أراحوا واستراحوا، والله المستعان.