فهرس الكتاب

الصفحة 2049 من 27364

قوم يشدون الرحال و يبذلون الأموال ويجهدون الحال دعوةً إلى الله و نصحاً للعباد و محاربة للفساد، وإخراجاً للتائهين من الظلمات إلى النور. وأخرى تبذل جهدها وتنفق أموالها لتصد عن سبيل الله وتنشر الفساد، وتشيع الفاحشة، وتبث الخنا، و كلا الفريقين يتعب، لكن: (هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) .

ما أعظم الفرق بين واقف يصلي، وواقف يتحدث في الشارع!.

ما أعظم الفرق بين من يسهر ويتجافى جنبه عن المضاجع يدعو ربه خوفاً وطمعاً، وبين من يسهر ويمضي ليله في إيذاء العباد وورود موارد الفساد!.

ما أعظم الفرق بين شباب يجاهدون في سبيل الله ويرابطون في الثغور دفاعاً عن الأمة وحرماتها، وشباب تتعلق آمالهم بغانية وزانية ومرقص وحانة!.

ما أعظم الفرق بين من يجلس في المسجد انتظاراً للصلاة وذلكم الرباط، وبين جالس في بيته عاكف على شاشات الفساد وأفلام السفالة والهبوط.

ألا ما أعظم الفرق بين تعب السعداء وتعب الأشقياء التعساء.

ما أعظم الفرق بين من يكدحون ويتعبون في الدنيا ليستريحوا في الآخرة، لأنهم يدركون أن الدنيا كَبَد، ولا راحة للمؤمن إلا عند أول قدم يضعها في الجنة.

وبين قوم يكدحون وينصبون في الدنيا ليلاقوا كدحاً وتعباً أشد في الآخرة: (وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى) .

فئة عملت و نصبت فلم تحمد العمل ولم ترض العاقبة ولم تجد إلا الوبال والخسارة، فزادت مضضاً وتعباً، فهي عاملة ناصبة؛ عملت لغير الله، ونصبت في غير سبيله، عملت لنفسها ولأولادها وتعبت لدنياها وأطماعها، ثم وجدت عاقبة العمل و الكد، وجدته في الدنيا شقوة لغير زاد، ووجدته في الآخرة سواداً يؤدي إلى العذاب، وهي تواجه النهاية مواجهة الذليل ومع هذا الذل العذاب والألم: (تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً) .

و على الجانب الآخر: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ) . حين ترى رضا الله عنها وليس أروح للقلب من أن يطمئن إلى الخير ويرضى عاقبته، ثم يراها ممثلة في رضا الله الكريم وفي النعيم: (فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً) .

إن السعداء يتعبون والأشقياء كذلك، ولكن تعب السعداء تعب في طاعة الله ومرضاته، فهم يحصلون على أجر من الله ومغفرة و رضوان، قال صلى الله عليه وسلم"رأيت ربي عز وجل في المنام في أحسن صورة، فقال لي: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟! قلت: الله تعالى أعلم! قال: فوضع الرب تبارك وتعالى يده بين كتفي حتى وجدت بردها في صدري، ثم قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟!. فعلمتُ ما بين السماء والأرض، فقلت: يختصمون في الكفارات، والدرجات، والدعوات، فقال: وما الكفارات؟! فقال: نقل الأقدام إلى الجمعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء على المكروهات...".

فهذه أمور لها مشقة على النفس وتعب، ولكن جعل الله عز وجل فيها كفارة للذنوب.

تعب السعداء: إما تكفير معصية أو رفع درجة كما في الحديث:"من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة" (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) ."ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه".

أما تعب الأشقياء فتكثير لذنوبهم ومزيد إثم لهم (فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) . (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ) .

تعب السعداء مُجازَون عليه وإن كان مجرد همّ:"مَنْ همّ بحسنةٍ فلم يعملها كُتبت له حسنة، ومن همّ بحسنة فعملها كتبت له عشراً إلى سبعمائة ضعف...".

تعب السعداء مثابون عليه وإن لم يعملوه لعذر إذا مرض:"إذا مرض العبد أو سافر كُتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً".

تعب السعداء تصحبه لذة و سرور في القلب يجده المؤمن في الدنيا قبل الآخرة مما يؤدي إلى زوال هذا التعب وتحوله إلى نعيم وراحة ولذة وسرور كما قال أحد السلف:"جاهدت نفسي على قيام الليل عشرين سنة وتلذذت به عشرين سنة أخرى".

تعب السعداء يعقبه اطمئنان النفس وراحة القلب: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) . (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) .

تعب السعداء أدرك ثماره في الدنيا قائل السلف:"لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا عليه بالسيوف".

إنه تعب يثمر سعادة وانشراحاً، لأنه تعب في طاعة الخالق سبحانه، أما تعب الأشقياء فتعب يعقبه الشقاء والكَبَد و التعب لأنه في معصية الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت