فهرس الكتاب

الصفحة 2050 من 27364

الشقي يشعر أن تعبه في معصية الله، فإذا انتهى من لذته وذهب شعوره بها بقيت الحسرة في قلبه وأورثه التعب هماً وحزناً.

إن أهنأ عيشة قضيتها …ذهبت لذاتها و الإثم حل

.تعب الأشقياء تعب يعقبه الضيق و الضنك: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) . شعور بتأنيب الضمير، شعور بالقلق من آثار الذنب، شعور بالخوف من مصيبة وعقاب على النفس والمال و الأهل والولد. شعور بالذل والانهزامية ويأبى الله إلا أن يذل من عصاه. تخوّف من الأمراض والفضائح و (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ) .

تفنى اللذات ممن ذاق صفوتها …من الحرام و يبقى الإثم و العار

تعب السعداء مؤقت ينتهي بفراق هذه الحياة حين يجد الإنسان عند الموت من التثبيت والبشرى بحياة النعيم الدائم: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) . ثم الجزاء الأعظم حيث: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، و هناك تنسى المتاعب وتتلاشى المصاعب، وينقطع النصب والهم والحزن.

أما الأشقياء فهم على شقاوتهم وتعبهم في الدنيا، يجدون عند الموت من النذر والعلامات على شقاوتهم ما يجعلهم يموتون شرَّ ميتة، ثم يجدون في قبورهم وفي الآخرة من التعب والعناء أضعاف ما لاقوه في الدنيا.

و في الحديث:"يؤتى يوم القيامة بأشد أهل الدنيا بؤساً من أهل الجنة فيصبغ في النعيم صبغة، ثم يقال له: يا ابن آدم، هل رأيت شراً قط؟! هل مر بك بؤس قط؟! فيقول: لا والله يا رب، ما رأيت شراً قط، ولا مرّ بي شدة قط؟! ويؤتى بأشد أهل الدنيا نعيماً من أهل النار فيصبغ في العذاب صبغة، ثم يقال له: يا ابن آدم، هل رأيت خيراً قط؟! هل مر بك نعيم قط؟! فيقول: لا و الله يا رب، ما رأيت خيراً قط، و لا مر بي نعيم قط".

إن السعداء يدركون أن الحياة الدنيا مهما تطل فهي قصيرة، وأن عناء السعداء وتعبهم مهما اشتد فهو محتمل في سبيل الله ما دامت نهايته الموت وعاقبته الفوز والنعيم المقيم، ومن هنا فالسعداء يستقلون كل تعب لقوه في الدنيا في ذات الله حينما يجدون ثوابه و جزاءه:"لو أن رجلاً يجر على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت هرماً في سبيل الله لحقره يوم القيامة".

تعب السعداء يصحبه من توفيق الله عز وجل وتيسيره ما ينسي الشقاء والعناء؛ فالسعداء تكفّل الله عزّ وجل بدفع كربتهم وإزالة غربتهم.

كم لاقى رسول الله من التعب والعناء في سبيل دعوته، فقيض الله له من ينصره ويؤازره، وكم لاقى دعاة الإسلام من العنت والنصب وكيد الخصوم فنصرهم الله وأيدهم بنصره، وإننا نجد في واقعنا أن كل تعب يبذله الإنسان في سبيل الله فإنه يلقى جزاءه عاجلاً غير آجل، ويقيض الله للعامل من يعينه وينصره ويذهب عنه آثار الهمّ والتعب.

تعب السعداء يصحبه في هذه الدنيا لطف من الله عز وجل بأن يقيض لك من المؤمنين أو غيرهم من يكون لك عوناً على ما تلقاه من جهد و تعب، أما تعب الأشقياء فعناء مسلوب من التوفيق والنصر الإلهي، فإنّ الله عز وجل يسلط بعضهم على بعض، ويسلط عليهم من المؤمنين من يكون سبباً في شقائهم وعذابهم: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ...) .

أما الفرق الأكبر فهو ما يلقاه السعداء في قبورهم من النعيم، ثم يلقونه في الآخرة من السعادة والسرور وألوان اللذة مما لا يخطر على بال، وأعظم ذلك النظر إلى وجه الله عز وجل: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ) .

أما الأشقياء الذين سخروا جهدهم وتعبهم في معصية ربهم، فإن عناءهم لا ينقضي و حسرتهم لا تنقطع، فهم محرومون من النعيم، و يقاسون من ألوان العذاب ما يقاسون حتى إنهم يطلبون أقل المطالب: (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ الْعَذَابِ) . (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ) .

هذا هو الفرق الأعظم: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) حينئذ تهون عند السعداء كل التضحيات، وتهون كل متاعب الدنيا مهما عظمت ما دامت نهايتها سعادة لا تنقضي ونعيماً لا يزول.

هذا هو الفرق بين السعداء الذين تعبوا في مرضاة ربهم وطاعته، فهم سعيدون في الدنيا بطاعة الله وبلذة المناجاة وبالأنس بقرب الله، سعيدون بما يلقون من الأذى في سبيل الله، وبما يجدون من التعب في طاعة الله، سعيدون بكل معاني السعادة، سعيدون عند الموت بالبشرى، سعيدون في قبورهم بما يلقون من النعيم، سعيدون عند البعث، سعداء بعد الحساب، و هذا هو جزاء المؤمنين الذين قرروا أن يقضوا حياتهم على وفق ما يرضي الله عز وجل وإن تعبوا ونصبوا وحرموا أنفسهم من اللذات.

أما الأشقياء فقد شقوا في الدنيا بالتعب في معصية الله، أشقياء في أجسامهم، في قلوبهم، أشقياء عند موتهم، في قبورهم، عند البعث، عند الحساب، وبعد الحساب: (جَزَاء وِفَاقاً) . (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت