فهرس الكتاب
هذا هو الفرق بين تعب السعداء وتعب الأشقياء، فإنّ الذي يكدح للأمر الجليل ليس كالذي يكدح للأمر الحقير، فليس مثله طمأنينة بال وارتياحاً للبذل واسترواحاً بالتضحية، فالذي يكدح وهو طليق من أثقال الطين أو للانطلاق من هذه الأثقال ليس كالذي يكدح ليغوص في الوحل ويلصق بالأرض. والذي يموت في سبيل دعوة ليس كالذي يموت في سبيل شهوة ونزوة: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ) . (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ) .
نسأل الله تعالى أن يسخرنا لطاعته وأن يستعملنا في مرضاته وأقول هذا القول، واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنّه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله وحده، والصلاة السلام على من لا نبي بعده. أما بعد:
وثمة فرق حاسم بين تعب السعداء و تعب الأشقياء نلحظه من خلال قراءة التاريخ و مشاهدة الواقع.
تعب السعداء تحفه عناية الله وتوفيقه وبركاته، فالسعداء في معية الله، ومن كان الله معه كان التوفيق والتسديد يلاحقه.
انظر إلى أعمال الصالحين وميادين الخير ومجالات البر والإصلاح، قليل مقدارها، عظيمة آثارها.
يدخل الداعية إلى مدينة أو قرية فما يفارقها حتى يُخرجَ جماً من أهلها من الظلمات إلى النور رغم قلة إمكاناته و عف قدراته.
انظر إلى الحلقات القرآنية و لدور النسائية كم نفع الله بها؟! وكم خرّجت من حفظة و حافظات وصالحين و صالحات؟! رغم قصر عمرها، وقلّة مواردها، ورغم الحملة الجائرة عليها لتشويه سمعتها وتحجيم دورها.
انظر إلى جمعيات البر وهيئات الإغاثة ومستودعات البر؛ كم استفاد منها من بائس و كم تعفف بها من فقير وكم فرج بها من مكروب؟!.
انظر إلى جهود الدعاة في أدغال أفريقيا يسلم على أيديهم الآلاف بجهد قليل و مال يسير و زمن قصير؟!.
انظر إلى جهود المصلحين، كم استقام على أيديهم من منحرف؟! و كم صلح بجهودهم من فساد؟! رغم ضراوة الخصوم وشدة مكر الأعداء واشتداد الغرائز وهيجان الشهوات.
إنه تعب السعداء، تظهر آثاره وتتجلى ثماره في الوجود فيسعد به العاملون ويتحول العناء إلى هناء، ويصبح التعب لذة و حبوراً.
أما الأشقياء فيكدحون ويتعبون، (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) .
لقد كانت غايتهم من إنفاق أموالهم الصد عن سبيل الله، فسيخسرون أموالهم، ثم تصير نفقتهم ندامة عليهم، وكما قال ابن جرير؛ أموالهم تذهب و لا يظفرون بما يأملون ويطمعون فيه من إطفاء نور الله وإعلاء كلمة الكفر على كلمة الله، لأن الله معل كلمته وجاعل كلمة الكفر هي السفلى، ثم يغلبهم المؤمنون، ثم إلى جهنم يحشرون، فأعظم بها من حسرة وندامة لمن عاش منهم ومن هلك، أما الحي فخرُب ماله، وذهب باطلاً في غير نفع ورجع مغلوباً مقهوراً محروماً مسلوباً، وأما الهالك فقتل وسلب وعجل به إلى نار الله يخلد فيها.
تأمل حال الذين يحاربون الدعوة ويضعون العقبات لمواجهة الدعاة، ويقفون حجر عثرة أمام معالم الخير ومواطن الإصلاح ستجدهم من أتعس الناس وأكثرهم شقاوة.
ترى أحدهم يلهث ويلهث حتى لا تظهر للدعوة كلمة أو ترتفع لها راية، يسهر ليله و يشفي نهاره وينفق ماله في الكيد و المكر لعله ينجح في وأد كلمة خير أو يفلح في نشر رذيلة تبعد الناس عن حياض الفضيلة.
إن من الناس من يستغل كل إمكاناته العقلية وقدراته المالية في تزيين الباطل وتلميعه بشتى ألوان الزينة والإغراء، يريد إضلال الناس وتجهيلهم وإبعادهم عن الهدى، ومن ثَمّ فإن وجهه يتمعّر وجهه غضباً حينما يرى كلمة الحق قد أينعت وآتت أكلها، فلا يهدأ له بال أو يطمئن له حال حتى يفسد تلك الثمار بكل تشنج واضطراب.
مساكين هؤلاء القوم فإن الحسرة تحيط بهم من كل مكان!.
مساكين هؤلاء القوم يظنون أنهم بكلمة عوراء، أو عصا غليظة، أو جحور مظلمة سوف يقضون على شجرة التوحيد، ويقطعون أغصان الفضيلة، وما دروا أن الله متم نوره و مظهر دينه، و ناصر أولياءه.
مساكين هؤلاء القوم الذين اغتروا بجبروتهم، وانتفشوا بغرورهم، و ما دروا أن الله يدافع عن الذين آمنوا، وأن الزبد يذهب جفاء وأن الباطل كان زهوقا.
ألا فليعلم دعاة التغريب وأرباب الشهوات وحملة راية الفساد أن تعبهم ستعقبه الحسرة، وأن سعيهم في تباب.
و بعد أيها المسلمون:
و بعد أن أدركنا فصل ما بين السعداء في تعبهم والأشقياء في نصبهم، من بعد هذا: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ) .
أيها الإنسان إنك تقطع رحلة حياتك على الأرض كادحاً تحمل عبئك، وتجهد جهدك و تشق طريقك لتصل في النهاية إلى ربك بعد الكد و الكدح والجهاد.