قال تعالى: قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق 20 {العنكبوت: 20} .
أصل الحياة البشرية: بين نصوص الشرع والنظرة المادية:
لمعرفة أصل الحياة البشرية يرى الشيخ جودت سعيد سؤال التاريخ والسير في الأرض، والتنقيب خلال الآثار والحفريات ويمثل هذا المنهج خروجاً على النصوص الشرعية، وتعطيلاً لآيات القرآن الكريم، التي تتحدث عن بدء الخلق، خلق الإنسان وخلق السموات والأرض.
ويخالف أصول التفسير لآيات القرآن لدى علمائنا الثقات، كما يخالف حقائق العلم الموضوعية بعيداً عن الهوى والتبعية.
فمن الحقائق المهمة أن آدم عليه السلام هو أول البشر وأن الله خلقه من طين. يقول جل من قائل: خلق الإنسان من صلصال كالفخار 14 وخلق الجان من مارج من نار 15 {الرحمن: 14، 15} .
وقال سبحانه: إن مثل عيسى"عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون 59 {آل عمران: 59} ."
وآدم عليه السلام كان نبياً يوحى إليه، فهل يعقل أن أبا البشر، أو أحد أبنائه وأحفاده المؤمنين بالله، كان يمشي عرياناً، كما يدعي أصحاب نظرية التطور؟!
يقول جودت سعيد:"إن الكون قبل عشرة آلاف سنة، كان الإنسان يعيش في الكهف، كان يمشي على قدميه فقط، وقد بدأ خلقه ضعيفاً، تطارده الحيوانات ليتغذوا به، وهو يطاردها ليتغذى بها، وأن هذا الإنسان كان عرياناً... وأن آخر المخلوقات كان أرقاها، والآن استطاع أن يفهم، وصار مصيره في يده" (10) .
ويقول أيضاً:"إن الآثار العظيمة التي كشفها الناس في أثيوبيا، تدل على الهيكل العظمي (لوسا) منذ ثلاثة ملايين أو أربعة ملايين سنة، لأن الحجر يتكلم بهذا، وبعلم لا ينكره أحد، فإذا بهذا العالم بدأ يأخذ معلوماته من واقعه، وكان الناس قبل ذلك يأخذون المعلومات بطريقة الوحي من السماء" (11) .
فالمصدر الذي تستقى منه المعلومات عن الإنسان الأول هو القرآن الكريم، فهو المصدر الحق الذي لا مرية فيه.
فآدم عليه السلام:"نبي مكلم من الله سبحانه وتعالى" (12) فكيف بهذا النبي يمشي عرياناً، وكذلك أبناؤه المؤمنون قال تعالى: يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى"ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون 26 {الأعراف: 26} ."
وكيف يعتمد أتباع المذهب المادي على الحفريات والتقاط الآثار، لمعرفة بداية خلق الإنسان ونشأة الحياة؟
وقد خالف أتباع النزعة المادية علماء المسلمين في تفسير الآية الكريمة: قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على"كل شيء قدير 20 {العنكبوت: 20} ."
قال القرطبي رحمه الله:"أولم يروا كيف يبديء الله الثمار فتحيا ثم تفنى، ثم يعيدها أبداً، وكذلك سائر الحيوان، أي فإذا رأيتم قدرته على الإبداء والإيجاد، فهو القادر على الأعادة"ثم يقول:"قل لهم يا محمد، سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق على كثرتهم وتفاوت هيئاتهم، واختلاف ألسنتهم وألوانهم وطبائعهم، انظروا إلى مساكن القرون الماضية وديارهم وآثارهم، كيف أهلكهم لتعلموا بذلك كمال قدرته" (13) .
وقال الإمام محمد بن جرير الطبري رحمه الله تعالى:"يقول الله تعالى ذكره ل صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد للمنكرين للبعث بعد الممات، الجاحدين الثواب والعقاب: (سيروا في الأرض، فانظروا كيف بدأ الله الأشياء، وكيف أنشأها وأحدثها، وكما أوجدها وأحدثها ابتداء فلم يتعذر عليه إحداثها مبدئاً فكذلك لا يتعذر عليه إنشاؤها معيداً...) " (14) .
فمن خلال أقوال العلماء السابقة يتبين لنا الملاحظات التالية:
1-أن المخاطبين بهذه الآيات هم الملحدون بآيات الله والمنكرون للبعث بعد الموت، والخطاب دعوة للتفكير بمخلوقات الله الدالة على قدرته والاعتبار بالعاقبة كقوله تعالى: قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين 69 {النمل: 69} . والآيات في لفت النظر إلى هلاك الأمم الكافرة والمكذبين بآيات الله كثيرة. قال تعالى: قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين 137 {آل عمران: 137} .
وقال تعالى: قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين 42 {الروم: 42} .
فالآيات الكريمة توجه أنظار الخلق ليعتبروا بما آلت إليه الأمم الكافرة بعد قوة ومنعة، ثم دمر الله عليهم ديارهم فما ترى إلا آثارهم. قال تعالى: أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى"عنهم ما كانوا يكسبون 82 {غافر: 82} ."
2-إن المخاطبين بالآية التي استشهد بها جودت سعيد من سورة العنكبوت، هم المعاصرون للنبي r، هذا ولم يصلنا أن النبي ترك المدينة وصار يبحث في الوديان أو البحار منقباً عن الآثار، ولم يقم بذلك أحد من الصحابة رضي الله عنهم، وهم أعلم بمراد النبي صلى الله عليه وسلم ، الذي كان يعلمهم كل جزء من أمور دينهم مهما كان صغيراً، كما أننا لم نسمع أن أحداً من علماء المسلمين، فسر هذه الآية بالمعنى الذي ابتدعه جودت سعيد، فهل نأخذ بقوله، أم بقول هؤلاء؟!" (15) ."