وجودت سعيد قد لا يقف على الكتاب والسنة، انظر إلى قوله:"إن دلالة الكتاب أي القرآن يمكن أن تلغى إلغاء تاماً وكأنها غير موجودة، والذي سينبه المسلمين إلى هذا، ما جاء في الكتاب من الاهتمام بالتاريخ وأحوال البشر، وحوادث التاريخ، أي أن الذي سيعلمنا ليس القرآن، وإنما نفس حوادث الكون والتاريخ، فهي التي ستعلمنا، والمثل على ذلك: قل سيروا في الأرض 69 {النمل: 69} " (16) .
تبني نظريات علم الاجتماع الوضعي:
وهي من مصادر المعرفة، التي استلهمها الشيخ جودت سعيد وتلاميذه، وقد ظهر هذا المصطلح خلال كتابات (أوجست كانت) ، الذي ينسب إليه إنشاء علم الاجتماع الوضعي - المادي - في أوربا.
وهو عالم اجتماع وفيلسوف فرنسي، عاش ما بين (1798 و 1857) ، ويعتبر مؤسس الفلسفة الوضعية.
وسوف نلاحظ مدى التطابق بين أفكار جودت سعيد، وأفكار (كانت) .
(فكانت) يؤكد على فكرة (مراحل التاريخ) ، أو مفهوم التغيير الاجتماعي.
ويقسم الحياة البشرية إلى مراحل محددة، وأطلق على المرحلة التي عاش فيها الأنبياء، مرحلة الطفولة، تشبيهاً لها بأوصاف الأطفال الذين لم يبلغوا مرحلة الشباب والرشد (17) .
وقد تبنى جودت سعيد معظم هذه الآراء، واعتمد على فكرة مراحل التاريخ، في تقرير أفكاره، كما جاء في مقدمة كتابه: (حتى يغيروا ما بأنفسهم) (18) .
فهو يدعو إلى الاحتكام إلى التاريخ، باعتباره يمثل مصدر (العلم والمعرفة) .
ولم ينسب جودت هذه الأفكار لأصحابها من علماء الاجتماع الوضعيين في الغرب، وإنما طرحها وكأنها من اخترعه وابتداعه، بينما هو يستمدها من هؤلاء جاهزة مرتبة، لا يعنيه من ذلك إلا إضفاء الصبغة الإسلامية عليها، بإضافة بعض الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الشريفة، وقد يختار أحياناً كلمات من التوراة والإنجيل، وأحياناً يعرض أفكار (زرادشت) ، ويظهر أنه لا فرق عنده!!
وقد تأثر الشيخ (جودت) بهذه الأفكار تأثراً شديداً ولم يعد يعنيه إلا بث هذه الأفكار، بأي أسلوب كان (19) .
يقول جودت سعيد:"إن العقل يمكن أن يتخذ أحد موقفين إزاء المشاكل، إما أن يفرض فيها، أنها تخضع لقوانين، وإما أنها لا تخضع لقوانين، أولا يمكن كشف قوانينها" (20) .
وقد طرح (كانت) أفكاره الوضعية، بنفس الأسلوب الذي صار يعتمده (جودت سعيد) ، وذلك في قوله:"الطريقة الوضعية تقوم على الإيمان بأن الظواهر خاضعة لقوانين، والطريقة الدينية تقوم على الاعتقاد بأنها غير خاضعة لقوانين".
ويختار جودت هذه الأفكار المنحرفة، وينقلها بأسلوب غامض، لتكون ملائمة لأوضاع التخلف العلمي في ديار المسلمين - كما يزعم -، ويدعي أن المسلمين لا يأخذون بالأسباب ولا البحث عن العلل التي تسير من خلالها الأشياء، وهذا الأمر إن وجد بين المسلمين، فهو يقوم عند بعض الطوائف التي لا تتبنى المنهج الإسلامي..." (21) ."
وجودت سعيد، يعتبر أن المرحلة المادية الحالية، هي مرحلة الرشد والنضج، وكذلك تلميذه خالص جلبي، الذي يردد أقوال شيخه (جودت سعيد) ، ويتابع أقوال قدوتهم (أوغست كانت) .
يقول الجلبي: (بقي الإنسان لفترة طويلة يطارد الوحوش، والوحوش تطارده، يأكلها وتفترسه، يعيش على الصيد وجمع الثمار... ثم كانت الثورة الزراعية قبل عشرة آلاف سنة، وبدخول مرحلة المجتمع الزراعي واستئناس الحيوان، تحرر الإنسان دفعة واحدة من الموت جوعاً، فسيطر على إنتاج غذائه، وبها دخل الإنسان مرحلة المدينة، وإلى انبثاق تقسيم العمل والتخصص فيه، على ما أشار إليه عالم الاجتماع(دركايم) في كتابه: (تقسيم العمل) (22) .
فالتطور بهذا الشكل، ينبع من نظريات علماء الاجتماع الغربيين ومن وحي نظرية دارون التي تناقض الأديان السماوية، وقد كفرت الكنيسة دارون ابتداء، وقالت عنه: إنه زنديق مارق من الدين، لأنه ينفي الخلق المباشر من الله للإنسان) (23) .
ومن الملاحظ أن تقسيمات التاريخ عند أصحاب المدرسة الوضعية، هي تقسيمات جاهلية ظنية، تهمل تاريخ النبوات وأثرها على حياة البشرية، لأن النظر الشرعي، يقتضي تقسيم تاريخ البشرية بحسب موقفها من الرسل إلى قسمين:
1-المؤمنون: الذين استجابوا للرسل، وأفردوا الله بالعبادة وأخلصوا له التوحيد، وأقاموا حضارتهم على هذا المنهج. ولهؤلاء ولتاريخهم سمات وخصائص، يجب ملاحظتها، وأخذها بعين الاعتبار عند تقسيم العصور التاريخية.
2-الكفار: الذين كذبوا الرسل، وأشركوا مع الله غيره فهؤلاء أقاموا تاريخهم وحضارتهم على هذا المنهج الكفري، ويشترك تاريخهم في سمات وخصائص نابعة من منهجهم ونظرتهم للكون والحياة (24) .
فالتاريخ الإسلامي يقول:"إن توحيد الله هو الأصل في حياة البشر، والشرك طارئ عليهم، وتعرفنا على تاريخ آدم عليه السلام وذريته إلى عهد نوح عليه السلام، يبين لنا أن البشرية كانت على التوحيد، ولا تعرف الشرك أبداً، وأول ما ظهر الشرك كان في القوم الذين بعث إليهم نوح عليه السلام" (25) .
قال ابن عباس رضي الله عنهما:"كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين" (26) .