فمصادر المعرفة عند أتباع المدرسة المادية، تضاد مصادر المعرفة عند أهل السنة والجماعة، وتعتمد على فلاسفة وعلماء عرف عنهم الإلحاد حتى في ديارهم، كداروين وأوغست كانت، وماركس، ولينين وكذا الفرق المنحرفة في تاريخ المسلمين، كما سيأتي بيانه.
الإعجاب بما توصلت إليه الماركسية من نتائج:
يكاد المسلم لا تنقضي دهشته من موقف الشيخ جودت سعيد وأتباعه، من حيث الإعجاب بالماركسية، وما توصلت إليه، مع أن الإنسان العادي بات يعرف ما تدعو إليه الماركسية من كفر وإلحاد.
وها هي الماركسية قد تمزقت في ديارها وظهر عوارها في جميع الميادين السياسية الاقتصادية والاجتماعية.
فجودت سعيد وخالص جلبي، لا يخفيان الإعجاب بالمنهج المادي وخصائصه حتى اليوم.
يقول الشيخ جودت سعيد، عندما تعرض لتفسير آية: إن الله لا يغير ما بقوم حتى"يغيروا ما بأنفسهم 11 {الرعد: 11} ،"والفكر الماركسي، لبه ومبتداه ومنتهاه في إدراك محتوى هذه الآية، حيث لمحوا قدرة الإنسان على صنع التاريخ، والقيام بعملية التغيير، فهذا الضجيج الذي أحدثه الفكر الماركسي خلال أكثر من مائة عام إنما كان في تبنيهم لهذه الفكرة وإدراكهم لها" (26) ."
فالشيخ جودت يشهد هنا للكفر الماركسي بالأصالة، ويصفه بالقدرة والتماسك، وكأنه يشعر الناس بأن مصدر الفكر الماركسي، ينهل من كتاب الله تعالى..
والأغرب من كل ذلك أن جودت سعيد، ما زال يدعو الشباب المسلم إلى هذا الفكر، ليقوم بعملية التغيير انطلاقاً من المبدأ الماركسي، حيث يقول:"وكذلك إذا تذكرنا أنه علينا أن لا نبخس الناس أشياءهم، وأن الحكمة لا تضر من أي وعاء خرجت، فإن الاعتراف بجانب الصواب في النظرية الماركسية، لا يضرنا شيئاً، ولكن إذا رفضنا جانب الصواب بسبب جانب الكفر الذي عندهم، لا نكون مصيبين" (27) .
فالشيخ جودت يقرر هنا، أن النظرية الماركسية، تحوي صواباً يجب على المسلمين أن يأخذوا به!!
وماذا في هذا المنهج المناقض للفطرة البشرية، وقد سقط غير مأسوف عليه؟!!
ومن الملاحظ أن أصحاب هذه المدرسة المادية يسايرون النظريات الشيوعية في أهم مبادئها المادية وهي: الديالكتيكية، والمادية التاريخية.
يقول ستالين في كتابه: (المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية) :"تقوم المادية الفلسفية على مبدأ آخر، هو أن المادة والطبيعة والكائن الحي، هي حقيقة موضوعية موجودة خارج الإدراك، أو الشعور، بصورة مستقلة عنه، وأن الفكر هو نتاج المادة".
وها هو جودت سعيد يقرر هذا المفهوم المادي، كما أخذ به الماركسيون بالضبط، فهو يقول:"الوجود الخارجي - أي المادي - هو الحقيقة الثابتة، التي نرجع إليها عند الاختلاف، والصور الذهنية قابلة للنقصان" (28) .
وقد مر معنا قول خالص جلبي مؤكداً هذا المعنى عندما يقول:"إن فكرة: قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق 20 {العنكبوت: 20} . تعني أن الأمر هنا هو السير في الأرض، حيث تتحول الأرض والواقع إلى شواهد كتاب ينطق بحقائق لا توجد إلا فيه، فالأمر هنا هو السير في الأرض، وليس السير في الكتاب (أي القرآن) أي قراءة الواقع وليس قراءة النصوص، والظن بأن الاستغناء بالكتاب عن الواقع، هو الذي قاد العالم الإسلامي إلى كارثة مروعة" (29) .
فالواقع الخارجي هو الأساس لدى أصحاب هذه المدرسة، وليس النصوص الشرعية من قرآن كريم أو سنة نبوية.
ويساير أصحاب النظرة المادية الماركسيين في المادية التاريخية، فقد تابعهم جودت سعيد خلال دراسة لتاريخ المجتمعات، ومن ثم فقد اهتم بالتاريخ وجعله مصدراً من مصادر المعرفة الأساسية، وأصبح يقدمه على دلالة آيات الكتاب، كما جاء في قوله:"....إن الذي سيعلمنا ليس القرآن وإنما حوادث التاريخ، والكون، فهي التي ستعلمنا" (30) .
قوانين سير المجتمع: (31)
هنا يحاول جودت سعيد إبراز جوانب أخرى من النظرية الماركسية، باكتشافهم لقوانين سير المجتمع فيقول:"وكذلك الأمر الآن في النظرية الماركسية، من إثبات سنن الاجتماع، فإذا اهتدوا إلى سنن وآيات في سير المجتمعات، فإن ذلك لا علاقة له بنفي الإيمان...فعلينا أن نتأمل السنن التي يستخدمونها في تسخير المجتمع لهدفهم الذي اتخذوه ونكون في هذه الحالة قد حصل لنا المناعة التي نحن في حاجة إليها" (32) .
وعموماً فإن الشيخ جودت سعيد، لا يخفي رأيه في موضوع علم الاجتماع الغربي، حيث يجعل مؤلفاته كلها مرتعاً خصباً لتلك الأفكار، وينطلق في ذلك من قدرة الإنسان على إحداث التغيير، ومعرفة سنن التغيير، وهو يعترف صراحة أن هذه السنن هي من اكتشاف الماركسيين والعالم الغربي بشكل عام، حيث يقول:"أما الكشف العلمي بأن هذه السنن تخضع لسلطان الإنسان، بشكل من الأشكال، فقد تنبه إليه في العصر الحديث إنسان محور (واشنطن - موسكو) ، قبل غيره" (33) .
لقد تناسى جودت سعيد مآسي الشيوعية في البلاد التي خضعت لمظالمها، ولعل الشيخ قد سمع من آبائه وأجداده ما عانوه من الماركسيين قبل هربهم من سطوة الإرهاب الشيوعي الأحمر.