لقد قدمت نظرية نهاية التاريخ من عقد مضى، غطاء دعائيا، قادما من فلسفة التاريخ، عبر إعادة قراءة لهيجل، تجعل من النصر الرأسمالي على الشيوعية عبورا نهائيا إلى سيادة الشق الرأسمالي الليبرالي الديموقراطي، على حركة التاريخ البشري، في يقين ديني مطلق، يغلق"الباب الدميقراطي"فلسفياً في وجه كل خيار حضاري آخر. وبالطبع فإن هذا لا يدخل في الانغلاق، ورفض الآخر، ومصادرة التنوعات الحضارية في هذا العالم، لأن العالم ببساطة هو العالم الغربي ومن يواليه، والإنسان هو فقط الانسان الغربي، ومن يخدمه ويسالمه ويقلده ويخضع له، والأرض بسكانها كلهم لا تظهر ففي الخطابات الرائجة في العالم الغربي، وفي الخطاب الأكثر انتشارا فيما يكتبه الغربيون عن أننفسهم وعن الاخرين؛ إلا من خلال ثنائية المركز الغربي، المتحضر، الإنساني، الغني، والهامش غير الغربي من المتوحشين المتخلفين المعوزين، ويأتي العالم الاسلامي كله في القلب من هذا الهامش، حيث ينشط الارهاب ومنابعه. والسياسيون الرسميون لا يألون جهدا في تجسيد هذه الرؤية، فلا مكان لهذا الهامش في عصر نهاية التاريخ إن لم يقبل بوظيفة التابع التي حددها له"الانسان الاخير"صانعُ نهاية التاريخ. وليس لساكنيه أن يشغلوا أي مكان أو مكانة، خارج الوظيفتين المحددتين، اللتين التي يمكن أن نستعير لتسميتهما ووصفهما مصطلحي مالكولم إكس:"عبيد الحقل"و"عبيد المطبخ"وبالطبع مع التنويعات اللازمة داخل إطاريهما، والتي تفرضها طبيعة الأعداد الهائلة لأناس الهوامش غير الغربية، والمساحة الجغرافية التي تغطي أكثر الكوكب، والتنوعات الثقافية والاجتماعية التي تستقي من جذورها الضاربة في عمق التاريخ، ولكن كل هذا لا معنى له، فالجميع يجري توزيعهم في ذهنية التعامل الغربي على الوظيفتين:
"عبيد الحقل"، وهم السواد الاعظم من الشعوب والأوطان، التي تشغل في التفكير الغربي دوراً خدمياً فحسب، فهي تقدم الموارد الأولية، والعمل الرخيص، والأسواق الاستهلاكية، وفرص الاستثمار، ومؤخرا استقبال التلوث، ويؤمّن سكانُها فيما يؤمِّنون الوظائفَ منخفضة الأجور لهوامير الشركات الغربية، وقد كان المطلوب دائما أن تعيش الغالبية من هذه الشعوب، على العوز والذل والاحتلال المباشر، أو المقنَّع تحت الدكتاتوريات المحمية، مع هامش من الاقتصادات الضعيفة هنا وهناك، لتمنع الثورة، وبشرط ألا تجمع الثروة المنافسة، أو تزرع المعرفة التقنية القادرة على توطين التقنيات المعاصرة، ومن ثم تحدي بقاء العالم الغربي مهيمنا حقيقيا على النمط المتقدم منها دائما. والمجموعة الثانية"عبيد المطبخ"الذين يتم دعمهم وحراستهم وترهيبهم معا على يد السيد، كما يجري تذكيرُهم دائما بأن استمرارهم مرهون بقدر إخلاصهم في ضبط التطورات عند عبيد الحقل، وحصرها في الصراخ الذي لا يؤذي، بشرط أن يكون متقطعا ومقموعا، ومن غير آمال في تحقيق أي تطور عملي، في الخروج من هيمنة السيد الغربي ومخططاته. وسيكون من نصيبهم أن يتمتعوا بأوضاع تشبه أوضاع عبيد المطبخ في مزارع المستعمرات الأمريكية في القرن الماضي، الذين كان السيد يمن عليهم بالسماح لهم بفتات الأكل في مطبخ السيد ومشاركته طاولة الطعام، وهي شكليات يتكرم بها السيد الغربي ما دامت تعود عليه باعظم كسب وأقل جهد. وتطبيقاته متعددة وذاكرة تاريخ العلاقة بين الغرب والعالم متخمة بها وقد غزت بريطانيا الصين اواسط القرن التاسع عشر بـ90% من المحليين عبيد المطبخ، و10% فقط من القوات البريطانية، وحتى معركة اليوم نرى فيها كيف يتبنى قتل المئات من الافغان ودك المدن الفقيرة على ساكنيها بمختلف أنواع الاسلحة بما فيها المحرمة دوليا كالقنابل العنقودية مرتزقةُ تحالف الشمال، وبقايا عملاء الروس من الأفغان الشيوعيين السابقين أمثال دوستم، الذين سيكون الغزو البري من مهامهم الأساسية، في المرحلة التالية للقصف الجوي، وبهدف التقليل ما أمكن من سفح قطرات الدم الأزرق النبيل على يد المتوحشين البرابرة من عبيد الحقل، وإذن فليقم عبيد المطبخ بالمهمة.
ورغم ان هذا النموذج المثالي للهيمنة لم يعد ممكنا استمرار تحققه في صورته الفجة، وبكل الحرفية المطلوبة، ومع كل الأمم غير الغربية، الا أن الرغبة والعمل يستمران جاريين على تحقيق أكبر نسبة منه، وبقدر ما تسمح به ظروف القوة وأخطار اشتعال الوعي بين الشعوب من إمكان، ولا مانع من وجود"بيض شرف"أحيانا حينما يصبح السماح لهم أو عدم السماح خارجا عن إطار الخيارات الغربية، فلا أقل من حفظ ماء الوجه، وإعطاء الوهم بأن الذي سمح لهم هو تسامح"الإنسان الاخير"إنسان نهاية التاريخ، وهو ما انطبق على اليابان اقتصاديا، ثم على الصين التي هي في طريقها الى فرض تأثيرها عسكريا وسياسيا واقتصاديا معا.