فهرس الكتاب

الصفحة 12984 من 27364

لكن هذه الصيرورة التي لحقت لفظ ليبرالية منذ أصله الاشتقاقي اللاتيني وإلى استوائه في القرن التاسع عشر كلفظ دال على مذهب فكري واقتصادي وسياسي؛ لا يعني أن المحتوى الدلالي للفظ لم تتم صياغته إلا في القرن التاسع عشر، بل إن الرؤية المذهبية الليبرالية - حسب المنافحين عنها - ترجع إلى لحظات تاريخية سابقة، حيث تبلورت بفضل أعمال جون لوك، وديفد هيوم، وروسو، وليسنغ، وكانت، وآدم سميث، ففي أعمال هؤلاء المنتمية معرفياً إلى حقل الفلسفة والاقتصاد السياسي توجد المرتكزات النظرية التي سيستند عليها المذهب الليبرالي لاحقاً.

فما هي الدلالة المذهبية لليبرالية؟

إن رسم أي دلالة كلية للليبرالية يجب أن يضع في الاعتبار وجود اختلافات معرفية ونظرية تصل أحياناً إلى درجة التناقض بين منظريها، ومن ثم فإن أي تسطير لدلالة كلية جامعة هو مجرد اختزال، ولا ينبغي أن يصبح الشجرة التي تخفي الغابة، فنسقط في مأزق الأحادية، ونغفل عن تعددية الرؤى واختلافها حتى تجاه المفاهيم المشتركة التي تشكل أساس المذهب.

فلابد أن نعي أن الليبرالية من حيث وجودها النظري والفلسفي تشهد تباينات تصل أحياناً إلى درجة الاختلاف الشديد بين الرؤى، فالفكر الليبرالي عند جون لوك مثلاً يتمايز عن ليبرالية ماديسون، وليبرالية فريدريك هايك تختلف عن ليبرالية توكوفيل، والليبرالية بمنظورها التحرري الإطلاقي مع فريدمان أو بوشانان أو نوزيك تختلف عن الليبرالية بمنظورها الكينزي.

أما على المستوى الواقعي فإن الأمر أكثر إشكالاً وتعقيداً, فالليبرالية أنماط واجتهادات مختلفة، والبحث في سياقاتها المجتمعية ينبغي أن يتزود برؤى وأدوات منهجية أعمق من مجرد القراءات العجلى التي تمتلئ بها الساحة الثقافية المثقلة بنتاج العقل الشعاراتي.

فليس كل حزب ليبرالي من حيث التسمية والعنوان يصلح للدلالة على الليبرالية، كما أن عدم اعتماد الاسم لا يعني عدم وجود الليبرالية، ودليلنا على ذلك أن الواقع السياسي الأمريكي مثلاً، الذي يشكل أحد الوقائع المجتمعية الأكثر استحضاراً للدلالة على النموذج الليبرالي؛ لا نجد فيه ولو حزبا واحداً يتسمى باسم الليبرالية!

كل هذا يؤكد أن القراءة الميدانية للتجارب السياسية، والقراءة النظرية للفكر الليبرالي؛ لابد أن تحترسا من مزلق الاختزال، وعند كل صياغة تعميمية لا بد من الوعي بنسبية التعميم بسبب تعددية وتباين الظاهرة الليبرالية، سواء على مستواها النظري أو الواقعي.

وبعد تسجيلنا لهذا الاحتراس يمكن أن نقول في سياق التعريف الأولي: إن الليبرالية هي فلسفة/فلسفات اقتصادية وسياسية ترتكز على أولوية الفرد، بوصفه كائناً حراً.

فمقولة الحرية هي المقولة المركزية التي يستند عليها كل البناء المذهبي لليبرالية، وانطلاقاً من هذه المقولة يتم تحديد طبيعة رؤيتها لمختلف مجالات الكينونة الإنسانية، فالليبرالية من الناحية الفكرية تعني"حرية"الاعتقاد والتفكير والتعبير، ومن الناحية الاقتصادية تعني"حرية"الملكية الشخصية، و"حرية"الفعل الاقتصادي المنتظم وفق قانون السوق، وعلى المستوى السياسي تعني"حرية"التجمع وتأسيس الأحزاب، واختيار السلطة.. وهكذا نلاحظ أن مقولة الحرية لا تشكل فقط مبدأ من جملة مبادئ، بل هي مرتكز لغيرها من المبادئ، هذا مع ضرورة الوعي بأن لفظ الحرية ذاته ليس لفظاً محدد الدلالة، ولا محدود الأبعاد.

لكن على الرغم من ذلك، وحتى في حالة اعتمادنا على التحديدات السابقة؛ فإنها رغم صوابها معجمياً تبقى مجرد دلالة نظرية للمفهوم، في حين أن الليبرالية ليست مجرد لفظ نظري يعيش بين دفتي القاموس، بل هو لفظ يدل على أنظمة مجتمعية متعددة، ويحيل على سياقات تاريخية لا بد من استحضارها لفهم المشروع الليبرالي.

وما يؤكد في تقديري صواب هذا المسلك المنهجي التاريخي في المقاربة، وأولويته على المقاربة المعجمية؛ هو أن الليبرالية (libe r alism) ظهرت أولاً كمعطى تاريخي قبل أن تتشكل كلفظ اصطلاحي، بمعنى أنها من حيث وجودها كلفظ لم تظهر إلا لاحقاً لوجودها كواقع، إذ إنها كوجود معرفي ومجتمعي أخذت في التبلور داخل سياق التاريخ الأوروبي على الأقل قبل ثلاثة قرون من ظهورها كلفظ اصطلاحي.

ودليلنا على ذلك أن كلمة ليبرالية ستظهر في اللسان الإنجليزي سنة 1819م، أما في اللغة الفرنسية فغالب الظن أن مان دو بيران كان أول من استعملها وذلك سنة 1818م حيث حددها بوصفها"المذهب المدافع عن الحريات".

في حين قبل ظهورها كلفظ كانت صيرورة الحداثة الأوروبية منذ النزعة الإنسانية، وحركة الإصلاح الديني، ثم التأسيس الفلسفي للحداثة مع الديكارتية؛ قد بلورت وقائع نظرية ومجتمعية يصدق على جوانب منها وصف الليبرالية.

كما أن أول حزب ليبرالي سيظهر وينتظم في الواقع الأوروبي كان قبيل ظهور لفظ الليبرالية أقصد حزب"الكورتيس"الإسباني الذي ظهر سنة 1812م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت