فهرس الكتاب

الصفحة 17388 من 27364

لقد استبدل البعثيون شريعة الله تعالى بأفكار حزب البعث القومي العلماني الذي أسسه، ونظّر لأفكاره نصراني شرقي يدعي: ميشيل عفلق؛ حتى قال شاعرهم عليه من الله ما يستحق:

آمنت بالبعث رباً لا شريك لهوبالعروبة ديناً ماله ثان

ولما حكم البعثيون الناس انقلبوا على دينهم، وثقافتهم، وأخلاقهم، حتى قال أحد منظريهم:"والطريق الوحيد لتشييد حضارة العرب، وبناء المجتمع العربي هو خلق الإنسان الاشتراكي العربي الجديد الذي يؤمن بأن الله، والأديان، والإقطاع، ورأس المال، وكل القيم التي سادت المجتمع السابق ليست إلا دمى محنطة في متاحف التاريخ".

ولما حكم صدام حسين العراق عام 1399ه بعد سلسلة من الانقلابات الدموية، وتجريد حاكم العراق أحمد حسن البكر من صلاحياته، ووضعه قيد الإقامة الجبرية؛ قام طاغية العراق بسلسلة من الإعدامات الظالمة طالت ثلث رفاقه من أعضاء مجلس قيادة الثورة، وأكثر من خمسمئة عضو بارز من أعضاء حزب البعث؛ وذلك لتثبيت حكمه الاستبدادي، والقضاء على أي منافس متوقع.

وفي إطار محاربته لكل ما يتصل بالشريعة قام بإعدام سبعة وأربعين عالماً وداعية على الفور، وأغلق الكثير من المساجد، وحارب الكتب الإسلامية، والحجاب الشرعي للمرأة، وجفف منابع الدعوة إلى الله تعالى، ومارس أبشع صور الإرهاب والإذلال لكل من كان في رأسه بقية من إسلام، وألزم الناس بشريعة البعث الكافر، وقهرهم عليها أشد القهر. ثم توج ذلك كله بغزوه السافر للكويت، وظلم أهلها، وجعل جنوده يعيثون فيها فساداً، وكان هذا هو السبب الرئيس في تواجد القوات الأجنبية في المنطقة، كما أدت مغامرته الحمقاء إلى شق الصف العربي والإسلامي، وعدم ثقة الأشقاء بعضهم في بعض، مما أضعف الأمتين العربية والإسلامية على المستوى الإقليمي والدولي، وقوّى إسرائيل في المنطقة، وأوجد المسوغات والأعذار لقوى الظلم والطغيان للتدخل في شؤون الدول العربية والإسلامية.

وبعد هذا الإمهال والإملاء سلط الله عليه وعلى زمرته وحزبه الظالم ظلمة أهل الكتاب؛ فأذلوهم أمام العالم كله بتفتيش قصورهم ومرافقهم، وتدمير أسلحتهم، ثم ضربهم وتمزيقهم شر ممزق فمن مقتول إلى أسير إلى مختبئ إلى هارب لا يدري ما مصيره، وهكذا كانت نهاية الظالمين أليمة شديدة.

إننا لسنا بهذا الكلام نؤيد غزو العراق، وما حصل فيها من دمار وحصار وفساد، وموقفنا هو موقف كل مسلم لا يرضى أن يُمَس إخوانه المسلمون بسوء، وهو عين موقف قادتنا الذين رفضوا هذه الحرب الظالمة - التي قتلت الأبرياء من النساء والأطفال والشيوخ - وسعوا إلى آخر لحظة لمنع اشتعالها، ثم لما اشتعلت حاولوا إطفاءها بشتى الطرق والوسائل؛ ولكن الله تعالى بحكمته أراد أن تمضي كما مضت وكما شاهد العالم، ولما انتهت الحرب أُعلن عن تبرع عاجل بمئة مليون ريال من خادم الحرمين الشريفين لشعب العراق، وأقامت المملكة مركز الخدمات الإنسانية بالعراق وهو عبارة عن مستشفى ميداني متكامل.

ولسنا كذلك نتشفى في النظام البعثي العراقي، وفي أزلامه الظالمين - نعوذ بالله أن نكون كذلك - ولكننا يجب أن نأخذ العبرة والعظة، ونعلم علم يقين أن أي ظالم مهما علت منزلته، أو بلغت قوته، أو كثرت جيوشه وأسلحته المتطورة؛ فإن له يوماً من أيام الله تعالى يؤخذ فيه أخذاً أليماً بعذاب يرسله الله من السماء، أو بتسليط ظلمة يظلمونه كما ظلم غيره؛ ليذوق مرارة الظلم التي كان يُجرِّعها الناس، ثم يسلط الله تعالى على الظلمة ظلمة آخرين يستبيحونهم.. وهكذا؛ كما قال سبحانه: وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون 129 {الأنعام: 129} .

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى:"ومعنى الآية الكريمة: كما ولينا هؤلاء الخاسرين من الإنس تلك الطائفة التي أغوتهم من الجن، كذلك نفعل بالظالمين، نسلط بعضهم على بعض، ونهلك بعضهم ببعض، وننتقم من بعضهم ببعض؛ جزاء على ظلمهم وبغيهم" (7) .

وقال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى:"ومن ذلك أن العباد إذ كثر ظلمهم وفسادهم، ومنعهم الحقوق الواجبة، ولّى عليهم ظلمة يسومونهم سوء العذاب، ويأخذون منهم بالظلم والجور أضعاف مامنعوا من حقوق الله وحقوق عباده على وجه غير مأجورين فيه ولا محتسبين" (8) .

فالواجب على المسلم حاكماً كان أم محكوماً وهو يبصر هذه الأحداث العظيمة أن يأخذ منها العبرة والعظة، ويحذر من أن يسلك مسلك الظالمين؛ لئلا يصيبه ما أصابهم من النهايات الأليمة الشديدة.

ومن كان مظلوماً فعليه بالصبر والاحتساب، والعلم بأن للظلم نهاية وإن طال الزمن، وأن الله تعالى بحكمته ورحمته لن يترك الظالمين بلا عقوبة إنْ عاجلاً يراها الناس في الدنيا، وإن آجلاً في الآخرة، وعقوبة الآخرة أشد، فكيف إذا جمع الله تعالى للظالم بين عقوبة الدنيا والآخرة بأن جمع بين الكفر وظلم الناس وعسفهم على الكفر والإلحاد؛ كما كان حال حزب البعث الظالم، وحال كثير من الأحزاب الضالة التي قهرت الناس على مناهجها المنحرفة، المعارضة لشرع الله تبارك وتعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت