فهرس الكتاب

الصفحة 6404 من 27364

في الولايات المتحدة لعبت لجنة الكونجرس في التحقيق في أحداث 11 سبتمبر دورا بارزا في طرح النقاش الجدي وذلك عندما طرحت السؤال: لماذا يوجد هنالك إرهاب؟ ومن ثم البحث عن جذور الظاهرة، وحيث يلعب الاستبداد السياسي دورا بارزا في صناعة الانسداد وغلق منافذ التغيير السلمي وتحويل الطاقة الشبابية المعطلة إلى قنابل بشرية موقوتة يمكنها أن تنفجر في أي حين.

ومهما قيل عن الإدارة الأمريكية الحالية، فإنه يبدو أنها المرة الأولى التي بدأ الحديث فيها عن جذور التطرف ليس فقط في الجانب الاجتماعي ولكن أيضا في الجانب السياسي الذي لا يسمح بتوزيع عادل للثورة ، واحترام قرارات الشعوب ، الأمر الذي يؤدي إلى الفساد الاقتصادي وشيوع الرشوة والمحسوبية ، ومن ثم حدوث الاختناق الاجتماعي وبالتالي الانفجار السياسي والأمني.

لقد بتنا اليوم وللمرة الأولى نسمع كثيرا من صانعي القرار يتحدثون عن خطورة الاستبداد وخطورة الديمقراطية الشكلية ، باعتبارهما يمثلان تهديدا للسلم و الرفاه العالمي لأنهما يقطعان الأمل من القلوب، ويكرسان السلبية وروح الانتقام.

لقد دعت إدارة بوش الثانية إلى تغيير جذري في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي، تلك السياسة التي لم تتغير طيلة الستين سنة الماضية، ولأول مرة لم تعد مواقف الدول من القضايا الخارجية محل اهتمام فقط بل كذلك علاقات الحاكم والمحكوم وسياساتها الداخلية أيضا محل اهتمام شديد. وتحت وقع هذا الضغط الذي يمارسه"الأخ الأكبر" (Big B r othe r ) لبعض الأنظمة في المنطقة نجد تحسنا ملحوظا لملف العمل السياسي وملف حقوق الإنسان في بعض الدول. وهاهي الانتخابات المصرية الأخيرة تدل على أن هذه الأنظمة بدأت تفقد السيطرة .

وأما بالنسبة لمختلف القوى السياسية في العالم الإسلامي فعليهم أن يدركوا أن سرعة تحرك الأحداث الدولية والتطورات المختلفة التي يتداخل فيها السياسي بالأمني والاقتصادي بالأيديولوجي، أصبحت كبيرة جدا بالمقارنة مع السنوات الماضية ، ولذلك بات من الواجب على قوى التيار الحضاري أن تكون قادرة على قراءة الأوضاع بشكل صحيح ، وتفهم اتجاهات التاريخ كي تستطيع أن توازن بين خياراتها الإستراتيجية وفعلها اليومي الديناميكي ، وتكون لها قدرة لاستشراف المستقبل ، تسمح لها بتجنب جميع الانزلاقات والمطبات الدولية. وأي غفلة عن هذه السرعة الهائلة التي تحرك المسارات الدولية سيؤدي إلى فقدان السيطرة والموقع في الحدث الدولي بلا شك.

وفي ظل هذا التسارع اهتمت العديد من المؤسسات البحثية في العالم الغربي ومنها مؤسسة"راند"الأمريكية بمناقشة قضايا الإصلاح في العالم الإسلامي. والجديد في هذا المشهد الفكري أن هناك اهتماما متزايدا بدور الحركات الوطنية والحركات الإسلامية في قيادة منظومة العمل السياسي في هذه البلاد ، سواء تعلق الأمر بالنفوذ المتصاعد للمسلمين في الهند، أو الدور الفاعل للحزب الإسلامي في تركيا في تحييد الجيش ، والالتفاف على العلمانية الأتاتوركية المتطرفة ، أو تفاعلات المشهد السياسي الجزائري بين المصالحة الوطنية الحقيقية والمصالحة الاستئصالية ، التي تصنف المواطنين إلى درجة أولى ودرجة ثانية، أو مواطنين و"أنديجان" (1) كما كان يفعل الاستعمار الفرنسي.

وأحب هنا أن أقف بسرعة عند بعض أهم ملامح الموجة الإصلاحية الجديدة التي تصدر من الغرب ، وأجبرت معظم الدول الديكتاتورية المتسلطة على رقاب الناس في العالم العربي على تغيير سياساتها المحلية حتى تتحايل على المجتمع الدولي.

فشل التخويف بالحركة الإسلامية كإستراتيجية استئصالية:

نذ البداية كان رهان القوى العلمانية في العالم الإسلامي هو صناعة بُعبُع لتخويف الغرب به:"فإذا طالبتمونا بديمقراطية حقيقية فإن الوريث لنا هو التيار الأصولي والحركات الإسلامية". كان العلمانيون يتصورون أن صناعة هذا البُعبٌع كافية لإبعاد شبح المطالبة بالإصلاح الحقيقي القائم على التعددية الفكرية واحترام إرادة الشعب ، وتوقيف المهازل الانتخابية التي تسيرها عصابات التزوير المفضوح.

لقد كانت إستراتيجية التيار التغريبي هي التلويح المستمر بخطر"الغول الأصولي"الذي يريد إعادة الناس إلى القرون الوسطى، من أجل الحفاظ على المكاسب غير الشرعية ونهب المال العام. فمن خلال التلويح بهذا الغول كانت النظم التي تساقطت شرعيتها وفقدت مصداقيتها تريد أن تخلد نفسها في سدة الحكم، وتبرر كل السياسات القمعية الدامية التي راح ضحيتها مئات المواطنين الأبرياء في مصر وسوريا والعراق وتونس والمغرب والجزائر وغيرها. وأصبحت معظم هذه الدول تسير عن طريق الأحكام العرفية وقوانين الطوارئ ومجالس معينة في شبه انتخابات لا ترقى إلى أدنى مقاييس النجاعة القانونية والديمقراطية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت