فهرس الكتاب

الصفحة 6405 من 27364

لكن الغرب بدأ يتخلص من النظرة النمطية التي كان يسوقها دعاة العلمانية العربية عن الحركات الإسلامية. ونظرة بسيطة للكتب والمنشورات التي طبعت في العالم الغربي حول التيار الإسلامي في السنوات الأخيرة تجعلنا نقف على مادة فكرية وبحثية راقية ، تراوحت بين رسائل الدكتوراه ودراسات بحثية ألقيت في ملتقيات فكرية ، خصصت لبحث مشروعات الحركة الإسلامية وعلاقتها بالغرب وبمفهوم الإصلاح وبالديمقراطية.

ومن الواضح في هذه الدراسات أن معظمها بدأ يفرق بين صورة الحركة الإسلامية كما يروجها الكتاب المرتزقة وأئمة العلمانية المتطرفة و الأنظمة الديكتاتورية القمعية ، وصورتها الحقيقية من خلال العودة إلى خطابها ومواثيقها ورصد حركتها في الشارع الشعبي.

فالنظم الديكتاتورية والكتاب التغريبيون يسعون لترويج صورة المجموعات الهامشية التي يراد إلحاقها وتصنيفها ضمن نسيج الصحوة الإسلامية. وعادة ما تكون هذه التيارات الهامشية تتبنى أفكارا غاية في البساطة والسذاجة ، والأخطر من ذلك كونها تيارات قابلة للاختراق الأمني ، ومن ثم التوظيف السياسي والإعلامي و المخابراتي متى احتاجت الأنظمة لذلك.

وفي نفس الوقت تقوم هذه الأنظمة بتجاهل الصوت الإسلامي العريض المعتدل الوسطي لأنها تعتبره خطرا حقيقيا على وجودها ويهددها باستمرار في مهمة سيطرتها على شؤون الدولة والمجتمع خارج إطار الشرعية.

بدأ الباحثون في الغرب يهتمون بالنسيج الإسلامي العريض المعتدل، بل هناك بعض الأصوات لا تخفي رغبتها في إدماج هذه الأصوات المعتدلة في العملية السياسية حتى يتم الفصل بينها وبين قوى الميوعة أو الإرهاب.

وفي ظل هذا الحرج والضغط المتزايد على الأنظمة عمدت هذه الأخيرة لبناء واجهات"إسلامية"مزيفة ، واستعمالها كجزء من الديكور الديمقراطي المغشوش. وهو نفس ما قام به الاستعمار عندما حارب بلا هوادة حركة الإصلاح الإسلامي ممثلة في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ، وقام بالترويج لكل أنواع المتدينين المزيفين سواء كانوا من بعض الطرق الصوفية المنحرفة البعيدة عن التصوف الحقيقي ، والتي اعتبرت الاستعمار قضاء وقدرا ومن يحارب الاستعمار فهو يحارب قضاء الله وقدره، أو تلك التي مارست أصناف التضليل الديني وتشويه سمعة ومكانة العلماء.

أملنا أن يعود التيار التغريبي لصوابه و أن لا يحاول معاكسة أو عرقلة عجلة التاريخ، فإن عالمنا الإسلامي يمر بمرحلة دقيقة، حيث إن الظروف الدولية و الإقليمية و المحلية تفرز اليوم فرصا تاريخية من أجل إقدام مختلف بلدانه على إصلاحات حقيقية تمكن شعوبنا من إقلاع حضاري.

الديكتاتورية وباء يجب أن يحاصر

لأول مرة يقف رئيس دولة أمريكي ليقول للعالم بأننا أخطأنا طيلة ستين سنة في دعم النظم الديكتاتورية في العالم ، سواء نظام ماركوس في الفلبين أو الأنظمة العسكرية القمعية في أمريكا الجنوبية أو غيرها من النظم في العالم العربي وفي أفريقيا وآسيا.

هذا الاعتراف لم يأت من فراغ بل هو حصيلة تقييم دقيق لمخاطر تصعيد الضغط على الشعوب ، وحكمها بأنظمة ورقية تستند فقط إلى لغة القمع والقتل والتعذيب ومصادرة حرية التعبير والرأي .

إن الاستبداد خطر على النمو الاقتصادي ، وخطر على حركة التبادل الدولي ويؤدي في حالات كثيرة إلى اضطراب أسعار العملات و تذبذب أسعار النفط ، وكلها عوامل تؤثر في استقرار النمو الاقتصادي.

إن هذه الحساسية المفرطة تدفع الجميع إلى نبذ كل أشكال الديكتاتورية والاستبداد المحلي والعالمي، وقديما قال ابن خلدون رحمه الله:"الظلم مؤذن بخراب العمران". و هذه القاعدة الاجتماعية التي استخلصها العلامة ابن خلدون هي التي يبدو أن منظري العلاقات الدولية اليوم قد فقهوها جيدا ، و أملنا أن يتحرك السياسيون على ضوئها ، و أن لا يصغوا لتحرشات الدكتاتورية و أكاذيب استخباراتها.

لقد شدد العديد من الباحثين و المختصين في السياسة الدولية على أهمية خلق دينامكية جديدة في العالمين العربي والإسلامي ، وذلك بفسح المجال لجميع القوى الوطنية والإسلامية الفاعلة في مجتمعاتها ،حتى تتخلص هذه المجتمعات من بذور العنف وتتجه نحو البناء والتعمير.

و للأسف نجد أن هذه الأنظمة تعمل على التمديد في عمرها وذلك بتحويل العنف إلى سلوك ومنهج سياسي تقايض به المجتمع الدولي دون اهتمام بصحة المجتمع المحلي واستقراره ونموه الاقتصادي.

حتى إذا خفتت حدة الصراع وتراجعت يشهد المجتمع دون سابق إنذار موجة جديدة من العنف غير المبرر. وفي نفس الوقت نجد إعادة تأهيل العنف حتى يتحول إلى عنف اجتماعي واسع النطاق. وإلا كيف نفسر إلقاء القبض على أكثر من 500 شخص في شهر رمضان الماضي في بلد مثل الجزائر بتهم العنف الاجتماعي المدني. ألا يدل هذا على أن العنف بدأ يتهيكل في أشكال جديدة ؟ ومن يعطيه قوة الحركة ؟ أليست هي الدوافع القائمة على الهروب من الواقع المؤلم المشبع بصور الإحباط والبطالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت