فهرس الكتاب

الصفحة 6406 من 27364

لكن السؤال الذي يبقى مطروحا هو كيف ستقوم هذه الأنظمة بتغيير جلدها حتى تتكيف مع موجة الإصلاح التي أصبحت مطلبا دوليا قبل أن تكون مطلبا سياسيا وطنيا ، وضرورة اجتماعية ملحة؟

وإذا أردنا الحديث عن إصلاح حقيقي في مجتمعاتنا الإسلامية لا بد أن نقف عند محطات أرى بأنها هامة جدا، ودونها لا يمكن الحديث عن الإصلاح الحقيقي:

الإصلاح السياسي أم الإصلاح الحضاري ؟

من المغالطات الكبرى حصر المشكلة في الإصلاح السياسي فقط. وكأن المشكلة تتعلق بالجانب السياسي ، دون النظر إلى العمق الحضاري للمشكلة الذي يؤثر بشكل كامل على كافة المجالات الاجتماعية والثقافية والسياسية و الاقتصادية. وحيث العامل السياسي على أهميته يتحول إلى الجزء البارز من جبل الجليد فقط.

ولذلك رؤيتنا أن تجزئة عملية الإصلاح وتحويلها إلى عنوان جديد لمعركة سياسية يختزل أبعاد التغيير الحقيقية. فالتغيير شامل له بعد حضاري لا ينحصر فقط في المشكلة السياسية. فمجتمعاتنا في حاجة ماسة ليس فقط إلى انتخابات نزيهة وديمقراطية حقيقية ، ولكن إلى ضمان الحريات وحقوق المواطنة لجميع فئات المجتمع دون تمييز، وإلى فعالية في مجال التربية واستقرار اجتماعي وأسري ، واعتزاز بالهوية الثقافية واحترام ثوابت الأمة والمجتمع ، وتعزيز الوحدة الوطنية، وإلى تأسيس دولة القانون القائمة على الحق والعدل لتكون أداة في يد المجتمع تمكنه من إقامة النظام المجتمعي الذي يرضاه ، وإلى تنظيف الخدمة العامة والإدارة من الفساد والرشوة والمحسوبية ، وإلى نمو اقتصادي... فكل هذه المجالات هي جزء من عملية ديناميكية شاملة.

وأول خطوات الإصلاح تنطلق من الإنسان من خلال تحقيق العدالة الاجتماعية ، و إعادة ثقته بنفسه ووطنه ومجتمعه و أمته ، وتعزيز فعاليته الاجتماعية وتقوية دوره في حركة التاريخ الاجتماعي، حتى لا يشعر بالدونية و التهميش.

من شروط الإصلاح:

إن التيار الحضاري، كقوة حية وفعالة يحتاج إلى مزيد من التأمل في فرص التغيير و الإصلاح التي يوفرها الوضع الجيوسياسي العالمي، خاصة أن الخط الأصيل استطاع أن يحافظ على مسافة متوازنة بينه وبين النظم الديكتاتورية ، والممارسات التي تخل بالتزامات الحركة اتجاه المجتمع. وهذا ما يجعل مصداقيته الاجتماعية والتاريخية لا تزال قوية يمكن استثمارها لتقوية قناعة المجتمع بأهمية تحمل المسؤوليات التاريخية.

ولا يمكن الحديث عن الإصلاح السياسي فضلا عن الإصلاح بالمفهوم الحضاري الشامل دون السعي المنهجي لضبط الخطوات العملية الممكنة. لأنه لا يعقل أن تستمر كل من الحركات الإسلامية والوطنية في طرح الشعارات دون البرامج العملية الميدانية الواقعية.

ولذلك فإنني أحاول أن أساهم في إثارة هذا النقاش الحيوي ، وذلك بطرح العناصر التالية كعوامل تعزز التحرك نحو الإصلاح بمفهومه الشامل.

و إلى جانب تنمية روح النقد البنّاء وتعزيز ثقافة العمل والفعالية ، علينا تكثيف الجهود الوطنية من أجل:

تعزيز دور المجتمع المدني

إنه لمن الخطأ التصور أن التغيير يخضع دائما للعامل الواحد والمؤثر الواحد، بل برهنت التجربة أن هناك عدة عوامل تتضافر فيما بينها لتصنع الوجه الجديد وفجر النهضة.

و لذلك لا يمكن القول إن العمل السياسي وحده هو مفتاح التغيير. وهذا ما جعلنا نحن في مدرسة البناء الحضاري الدعوية نقف مبكرا ضد الطرح الذي أراد أن يذوب العمل الإسلامي في العمل السياسي، ويجعل الحزب السياسي بديلا عن الدعوة.

فالسياسة ليست هي كل شيء، بل هي جزء لا يتجزأ من عملية أعقد وأكبر هي عملية التغيير الحضاري الشامل.

لقد كانت هناك كثير من القوى تجذبها العناوين الكبرى والأضواء البراقة ، ولكنها لا تستطيع أن تفهم سير عجلة التاريخ في الاتجاه الصحيح وتضمن استقرار وسلامة جميع الراكبين.

وهذا ما يجعلنا نعترف بأن اهتمام الحركة الإسلامية بالمجتمع المدني عمليا وميدانيا لم يكن بمستوى التحديات المطروحة. ورغم أن حركة البناء الحضاري التزمت جانب التحفظ ولم تشارك كمؤسسة باقي القوى في ركوب موجة تأسيس الأحزاب ـ حيث اكتفت بدعمٍ بالرجال والمشاريع لأول تجربة سياسية للصحوة الإسلامية بالجزائر ـ إلا أنها رغم ذلك لم يُسمح لها بتطوير تجربة مستقلة تهدف إلى تطوير وتعزيز مؤسسات المجتمع المدني، فـ"الجمعية الإسلامية للبناء الحضاري"كانت أول الجمعيات الثقافية التي طالها الحظر ظلما وعدوانا غداة 11 يناير 1992.

لقد بات من الواضح اليوم أن الدور الفاعل لمؤسسات المجتمع المدني سواء هيئات حقوق الإنسان أو الجمعيات الخيرية أو الثقافية أو جمعيات خدمة الدعوة والمساجد التي تتولى استكمال نقائص الفعل الرسمي وعمل الدولة مهمة جدا وتحتاج إلى عناية خاصة من أبناء الحركة الإسلامية. فهذه المؤسسات تطلق طاقات المجتمع من أجل الإبداع والتطوير وتكون بعيدة عن لغة المزايدات والتراشق الإعلامي ، لأن كل من ينتسب لمثل هذه المؤسسات يكون هدفه هو أداء الواجب أولا وقبل كل شيء قبل النظر لأي حق من حقوقه الشخصية.

عزل المتطرفين: المغالين والمائعين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت