لقد اعتبر جمال الدين الأفغاني إخفاق الدولة العثمانية في عدم استخدام اللغة العربية لغة رسمية لجميع البلاد الإسلامية الواقعة تحت حكمها من أهم العوامل التي ساعدت على قيام النعرات القومية بين العرب والترك، والتي كان لها أكبر الأثر في سقوط الدولة العثمانية على المدى الطويل (4) .
ومن أجل هذا فليس من المستغرب أن يؤكد بعض الباحثين أن البلاد المجزأة لغوياً بشكل كبير بلاد فقيرة دائماً (1) .
ويذهب بعض الباحثين إلى «أن التعدد اللغوي بين دول المجموعة الأوروبية يعد عقبة أساسية تحول دون انصهارها في كيان موحد» (2) .
وتأسيساً على ما سبق ندرك خطورة دخول لغة أجنبية على قوم ما، هذه الخطورة متمثلة بمجرد مزاحمتها للغة القوم، بصرف النظر عن كونها أقوى أو أضعف؛ فما بالك إذا كانت اللغة الوافدة تملك من المقومات ـ ولو خارجية ـ أكثر مما تملك اللغة المحلية! كأن تكون اللغة الوافدة لغة الغالب، أو اللغة التي تمنح متحدثها ميزات اجتماعية، أو مالية، أو نحو ذلك.
وبكل حال؛ فإن ذلك يقود في الغالب إلى احتواء الثقافة المحلية بصورة تدريجية مما يجنبها مواجهة أي مقاومة، ومن ثم ستكون لها آثار مدمرة على المدى البعيد.
إذا علم هذا أدرك الإنسان تلك الحكمة الإلهية المتناهية حينما جعل كتاب هذه الأمة المقدس الذي يمثل دستور حياتها، كتاباً محفوظ الألفاظ والحروف، وأن تطالب الأمة بتعلمه وتلاوته كما هو بلسانه الذي أنزله الله به، وما أعظمه من حكيم الذي لم يقصر ارتباط هذه الأمة بهذا الكتاب على التشريع، بل شرع معه التعبد بتلاوة نفس اللفظ بحروفه، وزاد على ذلك بأن جعل هذا الكتاب كلامه، صدر منه جل وعلا بصوت وحرف، مما يشعر المسلم معه بارتباط عاطفي روحي بمجرد لفظ هذا الكتاب، زيادة على ارتباطه التشريعي به.
وبهذه المناسبة، وإن كنا نستبق بعض فقرات هذا البحث؛ فإننا نقول: إن الأمة المسلمة تملك من مقومات الوحدة اللغوية، ومن ثَمَّ الوحدة الحضارية ما لا تملكه أمة من الأمم؛ فوحدتها اللغوية ليست نابعة من مصلحة أرضية مؤقتة، لكنها تنبع من عقيدة سماوية طاهرة.
ما هو المقصود بالعولمة اللغوية؟
ماذا نقصد بالعولمة اللغوية، أو هل هناك عولمة لغوية؟ إذا نظرنا إلى مدلول العولمة الذي يعني جعل ما هو محلي عالمياً، أو الانتقال من المحلية الإقليمية إلى العالمية؛ فهل هناك لغة انتقلت من المحلية إلى العالمية، فتجاوزت نطاقاً جغرافياً محصورة ببلد أو بلدان، لتصبح لغة عالمية يتحدث بها العالم كله على اختلاف لغاته الأصلية؟ لا شك أن الجواب الواضح هو الإيجاب، ولا شك كذلك أن تلك اللغة الوحيدة التي يصدق عليها ذلك الوصف هي اللغة الإنجليزية.
وفي العقد الأخير يمكن القول إن سيطرة اللغة الإنجليزية وانتشارها العالمي الذي تضاعف مع الهيمنة الاقتصادية والإعلامية الأمريكية، ثم بسبب تزايد استخدام شبكة الإنترنت أدى إلى اتساع نطاق استخدام كلمات وعبارات إنجليزية تعبر عن الثقافة الأميركية والقيم الاستهلاكية التي قد لا تتناسب مع قيم بعض الأمم التي تعتبر نفسها عريقة، مثل الألمان، والصينيين، والفرنسيين، دون العرب وللأسف.
مظاهر عولمة اللغة الإنجليزية:
أول مظاهر عولمة ظاهرة من الظواهر أن تنتقل هذه الظاهرة من المحلية إلى العالمية، وهذا تماماً ما يحدث للغة الإنجليزية، أو لنقل ما يقوم به البشر نحو اللغة الإنجليزية.
لا أخفي على القارئ الكريم أني وقفت حائراً أثناء كتابة هذه المبحث؛ فقد وقفت على بعض الإحصائيات التي تفيد اتساع نطاق استخدام اللغة الإنجليزية، سواء كانت لغة أولى، أو لغة ثانية، ثم إذا بي أجد إحصاءات أخرى تدل في أقل الأحوال على انحسار ضئيل في اتساع هذه اللغة، ويبدو أن من أهم أسباب هذا التناقض باختصار شديد أن كثيراً من الدول النامية لا تملك إحصاءات دقيقة عن انتشار هذه اللغة أو لغات أخرى في بلادهم، بالإضافة إلى تباين المعايير في الحد الذي يعتبر الشخص به متحدثاً بلغة ما؛ فما هو حجم المفردات التي يتوجب على الإنسان حفظها؟ وما هي كمية التراكيب التي عليه أن يتقنها حتى يقال إنه يتحدث أو يتقن لغة أجنبية؟ وكيف ينظر إلى من يحسن القراءة دون الكتابة، أو العكس؟ ومن الغريب أن أحد أسباب تناقص نسبة المتحدثين باللغة الإنجليزية في العالم هو التناقص الحاد في أعداد المواليد الذي تشهده البلاد المتحدثة بالإنجليزية، وهو ما يؤدي إلى نقص عدد سكانها، في مقابل ازدياد عدد سكان البلاد الأخرى، ولا سيما دول العالم الثالث (1) .
بالإضافة إلى ما ذكر فإن عدد المتحدثين بلغة ما لا يمثل حقيقة انتشار هذه اللغة أو عولمتها؛ فإن أكثر الإحصائيات، إن لم يكن كلها، تشير إلا أن أكثر لغة في العالم تحدثاً هي اللغة الصينية، والكل يعلم أن سبب ذلك ليس انتشار أو عولمة اللغة الصينية بقدر ما يعود لعدد سكان الصين الهائل، وهذا مما يزهد الباحث نوعاً ما في هذه الإحصاءات، إذا ما زاحمها في إثبات ذلك الافتراض شواهد وحقائق أخرى أقوى في الدلالة.