فهرس الكتاب

الصفحة 10338 من 27364

• مع تسلُّل هذه الرؤى الاستشراقية إلى العقول الأوروبِّية تسلَّلت, من خلال النقل والترجمة للآثار الاستشراقية الغربية, إلى بعض العقول الآسيوية, لاسيَّما في روسيا, حيثُ مرَّت المعرفة الإسلامية «في البداية عن طريق المصفاة الأوروبِّية الغربية, ولذلك جاء معظمها مشوَّهًا بعيدًا عن الموضوعية العلمية. هذا من جهة, ومن جهة ثانية لقد أرادت روسيا الاستعانة بوجهة النظر الأوروبية الغربية عن الإسلام؛ لكي ترتكز على مستندات فكرية توظِّفها الأرثوذوكسية المسيحية الفكرية ضدَّ الدوغمائية الإسلامية التترية» , على حدِّ قول الأستاذ سهيل فرح (8) .

• يقول خلف الجراد في كتابه: أبعاد الاستهداف الأميركي: «ومثلما كان هناك ارتباط عضوي بين الحروب المسماة"صليبية"والاستعمار الغربي المباشر للعرب والمسلمين, في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، والشعارات الدينية المسيحية والمدرسة الاستشراقية التقليدية, فإن المدرسة الاستشراقية الجديدة بأدواتها المعرفية المتطوِّرة, وصلاتها الفكرية والأكاديمية والسياسية بالإستراتيجية الأميركية, تحوَّلت بالفعل إلى أبرز لاعب في توجُّهات النخب السياسية والعسكرية في الولايات المتحدة الأميركية» (9) .

• يقرِّر نجيب العقيقي أنَّ طلائع المستشرقين قد انطلقت من الكنائس والأديرة, حيث يذكر صاحبُ أفضل موسوعة ضافية عن الاستشراق والمستشرقين, أنَّ الاستشراق قد بدأ «أكثر تنظيمًا وانتشارًا واستمرارًا بالفاتيكان, بابوات وأساقفة ورهبانًا, واصطناع نفوذهم في سبيله لدى الملوك والأمراء والبلديات, والإفادة منه في الردِّ على البروتستانتية بعد انفصالها عنهم مما جعله لغايات منوَّعة, بوسائل متعدِّدة, في أرجاء واسعة. كان رجال الدين ـ ومرجعهم الفاتيكان يومئذٍ ـ يؤلِّفون الطبقة المتعلِّمة في أوربا, ولا سبيل لهم إلى إرساء نهضتها إلا على أساس من التراث الإنساني الذي تمثِّله الثقافة العربية, فتعلَّموا العربية, ثمَّ اليونانية, ثمَّ اللغات الشرقية للنفوذ منها إليه» (10) . وقصد قومٌ منهم المغرب لمجادلة المسلمين. واختصَّ آخرون بأن يكونوا أدلاَّء لقاصدي فلسطين, في رحلات لها قدسيَّتها, يطلقون عليها الحجّ إلى الديار المقدَّسة, القدس وبيت لحم والناصرة والخليل, وغيرها من حواضر فلسطين.

• جاء هذا الهدف الرئيسي حائلاً لرهط من هؤلاء المستشرقين بين إقامة جسور ثقافية بين أوروبَّا والشرق الإسلامي. إلا إنَّ الاستشراق يمتدُّ, بعد ذلك, ويتخلَّى عددٌ من المستشرقين عن هيمنة الهاجس الديني, القائم على صناعة الكراهية تجاه المسلمين, رغم تجدُّد العودة إلى الأصولية الدينية المسيحية/اليهودية, وسيطرتها على الخطاب السياسي؛ لتحقيق أغراض سياسية واقتصادية, من قِبَل جماعات متشدِّدة, استطاعت التأثير على صناعة القرار في بعض الدول الغربية, كما يقول جورج قرم في كتابه الصادر أخيرًا بالفرنسية بعنوان: المسألة الدينية في القرن الحادي والعشرين (11) .

• بدت على بعض هؤلاء المستشرقين بوادر الاستقلالية عن الهاجس الديني الأصولي, ووصف بعضهم بالعلمنة, وأنَّهم يرغبون في أنْ يكونوا أكثر موضوعية من أسلافهم, ومن ثمَّ رغبوا في عدم الخوض في الشأن الديني, الذي بدا أنَّه هو المحفِّز لصناعة الكراهية, فاشتغل رهطٌ منهم بالشأن الاجتماعي, من خلال تحليل المجتمع المسلم (12) .

• ظهر ما يمكن أنْ يسمَّى بالرؤية الاستشراقية المعدَّلة, التي تنتقد المجتمع الغربي في موقفه من الثقافة الإسلامية, وتتفهَّم «مشاعر العالم الإسلامي في أنَّه يعيش تحت حصار فرضه عليه الغرب, في كثير من المجالات الحيوية, السياسية والعسكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية. ويمتدُّ هذا التفهُّم إلى إدراك الأسباب التاريخية التي أدَّت إلى ذلك, وإلى إشكالياتِ عمليةِ التحديث التي فرضها الغرب, وما اقترن بها من توتُّرات اجتماعية واقتصادية.

إلاَّ أنَّ أنصار الرؤية «المعدَّلة» يقاومون بكلِّ قوَّة الاستقلال التامَّ عن الغرب, بل ومنع ذلك, وضرورة اتِّباع النموذج الغربي الذي أثبت نجاحه», كما يقول سمير مرقس (13) .

• مع هذا لم يتمكَّن المستشرقون, في دراساتهم الاجتماعية والأنثروبولوجية, من عزل الدين الإسلامي عن هذه الدراسات, إذ توجَّه بعضهم إلى دراسة المجتمع المسلم أنثروبولوجيًّا من خلال أوجه النشاط الديني, مثل القضايا التي يطرحها خُطباء صلاة الجمعة (14) , ومثل الشأن النسائي في المجتمع المسلم, بما في ذلك ظاهرة تفشِّي الحجاب لدى المسلمات, وشيوع ذلك حتَّى في المجتمعات غير المسلمة, التي توجد بها أقلِّيات أو جاليات مسلمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت