فهرس الكتاب
• تستهوي بعضَ المستشرقين السياسةُ, في وقتٍ كان العالم فيه يمرُّ بمرحلة اجتياح أوروبِّي للعالم, شرقه وجنوبه والقارَّة الأمريكية الوسطى والجنوبية, فيما اصطلح عليه بحقبة الاستعمار, فكانت هذه الفئة من المستشرقين (باستثناء الاستشراق الألماني الذي لم يزدهر نتيجةً للاستعمار) (15) , جاهزةً لتقديم العون للجهات الاستعمارية, من خلال تقديم المعلومة عن البلاد المستهدَفة بالاستعمار. ورافق بعضُ المستشرقين الحملات الاستعمارية, سلفستر دي ساسي (1758 ـ 1838م) في الجزائر, وكريستيان سنوك هورخرونيه (1857 ـ 1936م) في إندونيسيا نموذجًا. فهم هنا يمارسون مهمَّة الأدلاَّء, ولكن مع اختلاف في المهمَّات عن أسلافهم أدلاَّء قاصدي فلسطين.
• ثمَّ يمتدُّ الاهتمام من لدن المستشرقين بالسياسة, حتَّى بعد انتهاء الحقبة الاستعمارية, والاستعاضة عنها بحقبة الهيمنة, التي يعيشها العالم اليوم, في ضوء سيطرة القطب الواحد. وهي هيمنة آنية, لا يتوقَّع لها كلها «أنْ تصير دائمةً» , في ضوء تضاؤل مقوِّمات الدوام, لاسيَّما الأخلاقية منها, على رأي جيمي كارتر رئيس الولايات المتَّحدة الأمريكية الأسبق (16) .
• إذا جرى الحديث عن الهيمنة يتَّجه الذهن إلى انفراد الولايات المتَّحدة الأمريكية في الساحة العالمية, مع صنع حلفاء لها, في أوروبَّا, يحقِّقون لهم ولها مصالحهم ومصالحها, ربَّما على حساب مصالح الشعوب الأخرى, ممَّا يفاقم من صنع الكراهية, وممَّا أظهر أدبيَّات إعلامية وتحليلية سريعة, أضحى همُّها هجاء هذا النمط من العلاقة بين الغرب والشرق, دون توخِّي الموضوعية في التحليل, والعلمية في بسط الأمر, بل ربَّما لتحقيق حاجة في نفس يعقوب, كانت موجودة من قبلُ, إبَّان المدِّ الشيوعي والاشتراكي (17) , بحيث يمكن أنْ تُعَدَّ هذه الأدبيَّات الإعلامية والتحليلية السريعة نفسُها إسهامةً من الإسهامات في مسيرة صناعة الكراهية.
• وتستهوي عددًا من المستشرقين الحملاتُ التنصيرية (التبشيرية) , التي اجتاحت الشرق والجنوب والقارَّة الأمريكية الوسطى والجنوبية, فيكون هؤلاء عونًا للمنصِّرين, ويكوِّنون لهم قاعدة المعلومات, التي تمدُّ المنصِّرين بما يحتاجونه من معلومات عن المجتمعات المستهدفة بالتنصير, في سبيل تحقيق مهمَّاته الصعبة, لاسيَّما في المشرق الإسلامي, حيث يقفُ التوحيد حائلاً دون وصول التثليث, الذي هو أُسُّ التنصير, إلى عقول الناس وأفهامهم, فظهرت على الساحة الثقافية فئةٌ من المستشرقين المنصِّرين.
• عليه, يمكن أنْ ينظر للتنصير على أنَّه شكل من أشكال صناعة الكراهية بين الغرب والشرق, لاسيَّما الشرق الإسلامي, الذي لم يكن مرحِّبًا بالتنصير, ليكون بديلاً عن العقيدة الإسلامية الصحيحة (18) .
• ثمَّ يستهوي فئةً من المستشرقين الإعلامُ, بمفهومه الحديث, الذي يعتمد على سرعة النشر, على حساب المعلومة الموثَّقة, وبالتالي يتَّكئ على المعلومة السريعة, التي قد تفتقر إلى التحليل العميق, فيقع بعض المستشرقين في فخِِّّ الإعلام, رغبةً لدى بعضهم في الشهرة والظهور والانتشار وسرعة التأثير, فيتخلُّون عن المفهوم التقليدي العميق للاستشراق, ويتبرَّأون منه, ويرميه بعضُهم في زبالة التاريخ, على رأي برنارد لويس (19) , ويصبح المصطلح, عند هذه الفئة, مشؤومًا, ويلتفُّون عليه بألقاب علمية أخرى (20) , ويعزفون عن الأبحاث في قضايا تراثية, وينصبون أنفسهم خبراء في قضايا المسلمين المعاصرة, (برنارد لويس, نموذجًا) , فيغذُّون الإعلام بصناعة الكراهية للثقافات الأخرى, بما فيها الثقافة الإسلامية.
• يستفيد الإعلامُ المنحاز عن الخلفية العلمية لهذه الفئة من المستشرقين في تذكية صناعة الكراهية بين الثقافات, وإضفاء صورة نمطية غير حسنة عن الإسلام وحضارته وثقافته, وعن المسلمين. والنظرة السطحية للإعلام, في مقابل البحث التحليلي للاستشراق, لا تقلِّل من تأثير الإعلام في النفوس, ولا تُصادر الجهود التي تُبذل في سبيل تحقيق هذا التأثير.
• يُرجع محمد علي الخالدي من أسباب هذه الصورة النمطية عن الإسلام والمسلمين, والعرب داخلون بالضرورة ضمنًا, إلى «دور عملية الاستشراق وإشاعة تصوُّراتها, إذ احتلَّت الأولوية في المشهد الثقافي وخدمتها أهدافاً استعمارية, فخرقت ثقافات الشعوب المحلية وطمست هويتها الحضارية من خلال فرض التصورات الغربية لكل مناحي الحياة وتفسير أحداث التاريخ الإسلامي بموجب مقاسات تلك السياسة الاستعمارية» (21) .
الاستشراق ووسائل صناعة الكراهية