فهرس الكتاب
• ليس من السهل حصر الوسائل التي يمكن عدُّها مؤثِّرةً في صناعة الكراهية بين الثقافات. ويمكن أن تقسَّم"القائمة"إلى وسائل قديمة, وأخرى حديثة أو معاصرة. كانت إسهامات المستشرقين الأوائل في هذا المجال قد بدأت في الطعون المباشرة, وإثارة الشبهات في الثقافة الإسلامية, حيث شكَّك الاستشراق في الإسلام, ومن ثمَّ شكَّك في القرآن الكريم على أنَّه كتاب منزَّل من الله تعالى على عبده ورسوله محمد بن عبدالله - صلى الله عليه وسلم -, وزعم أنَّه من تأليف محمد - صلى الله عليه وسلم -, (جورج سيل(1697 ـ 1736م) نموذجًا), ومن ثمَّ جاء التشكيك في سنَّة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وسيرته, والتشكيك في الشريعة الإسلامية, وأنَّها, في جانبها الفقهي, مستمدَّة من القانون اليوناني/الإغريقي, ثمَّ لمز الصحابة والتابعين, والتاريخ الإسلامي, والفتوح الإسلامية, والقائمة تطول.
• يقول حاتم الطحاوي في عرضه لكتاب محمد خليفة حسن: آثار الفكر الاستشراقي في المجتمعات الإسلامية: «أثار الاستشراق الشكوك في العقيدة, عبر نظرته للقرآن الكريم والحديث النبوي ومصادر العقيدة الإسلامية على أنها خاضعة للنقد العقلي وحضّ المسلمين على ضرورة إخضاع تلك المصادر للرؤية النقدية العقلية. وبالتالي التخفيف من قدسيِّتها لدى المسلمين, والحضّ على تركها واستبدال القوانين الوضعية البشرية بها» (22) .
• إلاَّ أنَّ هذه الطعون والشُّبُهات قد خدمت مرحلة من مراحل العلاقة بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي/ النصراني, ولم تعُد ممَّا يسوَّق اليوم؛ لأنَّ المستشرقين أنفسَهم قد وقفوا منها موقف الناقد الفاحص, الذي تبيَّن له أنَّ الزمن قد تجاوز الطعون والشُّبُهات المباشرة, لاسيَّما مع الالتفات للاستشراق, ونشوء جدل بين الباحثين العرب والمسلمين حول الموقف من الاستشراق, ومدى خدمته للثقافة الإسلامية, ومن ثمَّ التصدِّي لهذه الأنواع من الطعون والشبهات والردود عليها من قبل الباحثين المسلمين, وعزوها إلى الأغراض التي قامت من أجله.
• ثمَّ تأتي المرحلة المعاصرة التي توهَّمت أنَّ الإسلام يمثِّل خطرًا يهدِّد الوجود الغربي بثقافته التي انبنى عليها, رغم تبنِّي المنهج العلماني في الممارسة السياسية. ونحَتَ الغرب مصطلح"الإسلام ـ فوبيا", أو الإسلاموفوبيا Islamophobia, لاسيَّما بعد انتهاء تأثير المعسكر الشرقي, وانتهاء الحرب الباردة, والبحث عن عدوِّ جديد يوحِّد الغرب, ويتحالف في التصدِّي له (23) .
• يقول محمد علي الخالدي: إنَّ الإسلاموفوبيا «مصطلح أكثر شيوعًا من الاستشراقية."الإسلامافوبيا", وقد عُرِّب مصطلح الإسلامافوبيا إلى"التخويف من الإسلام والمسلمين", الذي يُعرَّف بأنَّه"الفزع من الإسلام أو كرهه، والخوف من المسلمين أو كرههم", ويعتقد كثير من الخبراء أنَّ هذا المصطلح غير دقيق, ولا يعبِّر بصدق عن أنواع التمييز ضدَّ المسلمين. ووضعه الأوروبيون على غرار مصطلح"اللاسامية", وهي ظاهره تمييزية أوروبية تختلف تماماً, في أجواء انبثاقها، عن نوعية العلاقة بين الإسلام والغرب. وعرَّب بعض الباحثين الإسلامافوبيا اختصارًا بـ"رهاب الإسلام"، ضمن ما يعتقد أنَّها سياسة حكومية تستهدف إقناع المجتمع الغربي، بوجود تناقُض صارخ مع الإسلام، حسب مقولة أنَّ الإسلام هو الخطر الجديد القادم نحو البلدان الغربية من الشرق، بعد سقوط المعسكر الاشتراكي، كما عبَّر عن ذاك الأمين العام السابق للحلف الأطلسي في بداية التسعينيات» (24) .
• تصدَّى لهذه النبرة الجديدة رهطٌ من المفكِّرين الغربيين والمسلمين, ونظروا إليها على أنَّها وهمٌ من جملة من الأوهام التي يراد من ورائها استمرار حالة التأزُّم القائمة بين الشرق الإسلامي والغرب/المسيحي, ومن ثمَّ الاستمرار في حالة غير مستقرَّة, تفيد منها عناصر جعلت من هذه الحالة مجالاً لجلب مصالح ذاتية محدودة النفع, ممتدَّة الضرر (25) .
• تساعد الظروفُ والأحداثُ في تعميق هذا الوهم, من خلال عدَّة مؤشِّرات, منها سيطرة المحافظين الجدد على الإدارة الأمريكية, والأحداث المؤسفة التي حصلت يوم الثلاثاء 11/9/2001م الموافق22/6/1422هـ, والتي اتُّهم بتنفيذها ثلَّة من الشباب المسلمين. ثمَّ تلا ذلك ملاحقة من اتُّهموا بالتخطيط لهذه الأحداث وغيرها قبلها, وربَّما ـ لا قدَّر الله ـ بعدها, في جبال أفغانستان وغيرها, واجتياح العراق يوم الخميس 16/1/1424هـ الموافق 20/3/2003م, بحجَّة تهديد الاستقرار في المنطقة, أي تهديد الوجود اليهودي في فلسطين المحتلَّة, مع الالتفاتة إلى غزو النظام البعثي السابق في العراق للكويت يوم الخميس 11/1/1411هـ الموافق 2/8/1990م.