فهرس الكتاب

الصفحة 10341 من 27364

• لا يتحمَّل الاستشراق المعاصر/الجديد تأجيج هذا الوضع ابتداءً, إلاَّ أنَّه, في بعض جوانبه, وجدها فرصةً مواتية لتجديد صناعة الكراهية ضدَّ الإسلام والمسلمين, لاسيَّما بين المستشرقين المتصهينين (برنارد لويس, نموذجًا, ويتبعه دانييل بايبس, ومارتن كريمر, وإنْ لم يكن الأخيران مستشرقَين) (26) , الذين يعنيهم هذا التأجيج؛ وذلك للإسهام في تثبيت وجود وطن قومي لليهود في فلسطين المحتلَّة, الأمر الذي يمكن أن يُعزى إليه الوضع السياسي والاجتماعي المتأزِّم بين الشرق الإسلامي والغرب. فمنطق الاستشراق المعاصر/الجديد, في بعض جوانبه, حول هذه الأحداث المتلاحقة هو تبنِّي مقولة: لم أُردْها ولم تسئُنِ.

الخاتمة: الخلاصة والنتيجة:

يمكن أنْ تُختم الوقفات الخمس السابقة, في النظر إلى الاستشراق كأحد العوامل التي ساعدت على صناعة الكراهية بين الثقافات, بخلاصة ونتيجة من خلال النقاط الآتية:

• للاستشراق أثرٌ بارزٌ في تحديد العلاقة, ثقافيًّا, بين الشرق والغرب, على المستويين الماضي والحاضر, وربَّما المستقبل. ويمتدُّ هذا الأثر في الأبعاد السياسية والإعلامية. ويسهم, بطريق مباشر أو غير مباشر, في رسم إستراتيجيات هذه العلاقة.

• لم يكن أثر الاستشراق في هذه العلاقة كلُّه سلبيًّا, بل كانت له آثاره الإيجابية في تقديم الثقافة الإسلامية في ماضيها/ التراث وحاضرها, والإفادة من معطياتها العلمية والفكرية على مرِّ الزمن. وكان هناك, ولا يزال, مستشرقون مخلصون لهذا التوجُّه, لم تستهوِهم تلك التقلُّبات التي تعصف بالعلاقة بين الثقافات. وبذا لا يسوَّغ التعميم في الحكم على الاستشراق سلبًا أو إيجابًا.

• عمل الاستشراق, مع هذا, وفي بعض جوانبه, على تعميق صناعة الكراهية بين الثقافة الإسلامية خاصَّة, وغيرها من الثقافات, لاسيَّما الثقافة الغربية, من خلال عمله, في بعض جوانبه, على تشويه الثقافة الإسلامية, في مصادرها وتراثها, وأوضاع المسلمين المعاصرة.

• تتفاوت مواقف المستشرقين من الثقافة الإسلامية, بحسب فئات المستشرقين ومدارسهم وأطوارهم, ومدى علاقة بلدانهم بالمنطقة العربية والبلاد الإسلامية, من خلال حقبة الاستعمار, إذ كان لبعض المستشرقين من الدول المستعمِرة أثرٌ في مسيرة الاستعمار.

• كانت لبعض المستشرقين جهود في مجال دعم الحملات التنصيرية في المجتمعات المسلمة, فظهر مستشرقون منصِّرون, وأمدَّ هذا النوعُ من الاستشراق التنصيرَ بالمعلومة عن المجتمعات المستهدَفة بالتنصير, وساعد ذلك على تعميق الفجوة بين الثقافة الإسلامية والثقافة الغربية, وبالتالي أسهم هذا النوع من الاستشراق التنصيري في صناعة الكراهية.

• مال بعض المستشرقين المتأخِّرين, في محاولة للالتفاف على الاستشراق, إلى الطرح الإعلامي, وأكثروا من الظهور على القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية, وطُلبت آراؤهم"العلمية"في تحليل بعض المواقف التي تزيد من الفجوة بين الثقافات, فكان قولهم مقبولاً ومؤثِّرًا, لما يمثِّلونه من خبرة نادرة. بينما عزف مستشرقون آخرون عن هذا النوع من تسطيح القضايا, ورفضوا الإدلاء بآرائهم على العامَّة, وفضَّلوا الإفصاح عنها في الصروح العلمية, وبين المفكِّرين.

• تفاوتت مواقف المسلمين والعرب من هذا الجانب من جوانب الاستشراق, في طرفين متناقضين في أغلب هذه المواقف, كلاهما غير منصف لجهود المستشرقين الحسنة أو السيئة. وبقي ثلَّةٌ من المفكِّرين العرب والمسلمين متوازنين في حكمهم على الاستشراق, من منطلق أنَّه كلَّما تعمَّق الباحث في دراسة الاستشراق كان أقربَ إلى الحكم الصواب. وأحسب أنَّ هذه الفئة من المفكِّرين توخَّت العدلَ في ذلك الحكم, فكانت أقربَ من غيرها إليه.

• إذا كان هناك من توصية فإنَّها تتركَّز في تكثيف قنوات الحوار مع المستشرقين عمومًا, من خلال وجود المزيد من مراكز بحوث ودراسات للاستشراق في الصروح العلمية القائمة, والصروح العلمية المستقلَّة بذاتها, وبالتالي تكثيف عقد الندوات والمؤتمرات والحلقات التي يُشرَك بها المستشرقون؛ لتفعيل الحوار بين الثقافات, والسعي إلى تقليص الفجوة المفتعلة بينها, ومن ثمَّ العمل, من خلال هذه المراكز وغيرها, على التواصل مع المراكز الاستشراقية الأخرى في العالم, شرقه وغربه.

• سيؤدِّي هذا الأسلوب العملي إلى المزيد من التعرُّف على صانعي الكراهية من المستشرقين, ومن ثمَّ إيجاد قنوات الاتِّصال معهم, كما إيجاد قنوات الاتصال مع غيرهم من المعتدلين والمنصفين؛ لبيان الحقِّ وتجسير الفجوة الثقافية, والخروج إلى تقليص صناعة الكراهية بين الثقافات, من هذه الفئة من الباحثين الدائمين في الشأن العربي والإسلامي.

وكان الله في عون الجميع.

(1) انظر: هل يكمن بعد الخطر الأحمر «الخطر الأخضر» ؟ .ـ ص 241 ـ 253.

في: بيير بيارنيس. القرن «الحادي والعشرون» لن يكون أمريكيًّا/ ترجمة مدني قصري.ـ بيروت: المؤسّسة العربية للدراسات والنشر, 2003م.ـ 346 ص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت