فهرس الكتاب

الصفحة 3384 من 27364

-المستوي الأول: المستوي الوطني أو القطري ، بمعني: أن يتم الإصلاح من داخل ' البلد ' المعني ذاته ، على يد أبنائه الواعين بقضية الإصلاح ، الحريصين عليه . والإشكالية التي قد تثور على هذا المستوي هي: هل يتصور أن تقوم النظم السياسية ، المفترض أنها هي المستهدفة من التغيير .. بإجراء الإصلاح المنشود؟ والإجابة هي أن الانقسام بين من يسعون للإصلاح ومن يقاومونه في المجتمعات الوطنية ، ليس انقساما أفقيا بين حاكمين ومحكومين ، وإنما هو بالأحرى انقسام رأسي يشمل الحاكمين والمحكومين معا ، بمعني أن قوي الإصلاح يمكن أن تكون موجودة في داخل المؤسسات الحاكمة ، مثلما يمكن أن توجد خارجها في الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني .. الخ . والأمر نفسه ينطبق على القوي المقاومة للإصلاح والتي يمكن أن توجد في داخل وخارج المؤسسات الحاكمة . فهناك في المجتمع ، خارج إطار المؤسسات الحاكمة قوي لا تؤمن بالديمقراطية ، أو لا تعطيها الأولوية ! ومجيء الإصلاح على يد قوي من داخل المؤسسات والأحزاب الحاكمة ، ظاهرة عامة ، وربما كانت أبرز مظاهرها المعاصرة ، عمليات الإصلاح والتغيير الشامل التي عرفتها دول الكتلة الشرقية في تحولها تجاه الديمقراطية ، بما فيها الاتحاد السوفيتي ( أو روسيا ) نفسها ! وفي هذه الأخيرة مثلا ، جري الإصلاح الليبرإلى على يد قيادات وعناصر كانت هي نفسها أعضاء وكوادر في الحزب الشيوعي السوفيتي . ولا يغني عن وجود القوي الداخلية الساعية للإصلاح ، أي ضغط أو تدخل خارجي مهما كانت قوته .. بل إن هذا الضغط يمكن أن يولد بذاته رد فعل معاكسا ، أو أنه يمكن أن يستغل من جانب القوي المعادية للإصلاح لتشويه الدعوة الإصلاحية باعتبارها تدخلا خارجيا مرفوضا !

المستوي الثاني ، هو المستوي الإقليمي ، أي أن تتوافر في إقليم معين قوي وحوافز للإصلاح ، تدعم بعضها بعضا أكثر مما تتأثر بالضغوط من خارج الإقليم . وفي هذا السياق فإن وجود دولة تلعب دور ' النموذج ' للإصلاح والتقدم يمكن أن يكون قاطرة تشد بقية بلدان الإقليم الموجودة فيه ، كما يمكن أن تثير الرغبة في المنافسة والتفوق عليها من البلاد الأخري . وعلى سبيل المثال ، لا يمكن فصل التقدم الحادث في شرق وجنوب شرق آسيا عن الدور الذي لعبته أقطار معينة كنماذج ملهمة للمحاكاة والتنافس ، مثل اليابان ، ثم كوريا الجنوبية . ومن هذا المنظور - فإن وجود نموذج ناجح للتطوير الديمقراطي في الشرق الأوسط ، يمكن أن يشد معه الأقطار الأخري .

وليس خافيا أن بعض الدوائر في الولايات المتحدة الأمريكية تطرح - على سبيل المثال - النموذج التركي للتطور الديمقراطي في الشرق الأوسط ، ومع ذلك ، فإن ارتباط النموذج التركي بتراث وتعاليم كمال أتاتورك ، والدور الفريد للقوات المسلحة فيه ، فضلا عن التوجه السائد لدي النخبة التركية تجاه الغرب يقلل من وزن تركيا كنموذج يمكن تكراره . والأمر نفسه ينطبق على إيران ذات الخصوصية الشيعية الشديدة .. الخ . وفي هذا السياق ، فإن من المتصور أن مصر تمتلك من المقومات ، ما يؤهلها - أكثر من غيرها - للقيام بذلك الدور . وتراث مصر ، وتاريخها ، وثقلها الحضاري والبشري ، غالبا ما وضعها في موضع الريادة عربيا ، وإسلاميا ، وهو ما يؤهلها لأن تلعب هذا الدور ، إذا سارت قدما على طريق الإصلاح الديمقراطي .

المستوي الثالث ، للحديث عن الإصلاح من الداخل ، هو المستوي الثقافي والحضاري ، أي أن يكون الإصلاح معبرا عن الخصوصية الحضارية للمجتمعات المعنية ، ومتوافقا مع التوجه الرئيسي لثقافتها . ويعني هذا - بالنسبة للعالم العربي والشرق الأوسط - ضرورة حل التناقض المصطنع بين ' الإسلام ' و ' الديمقراطية '. حقا ، لقد عرفت بلاد إسلامية معينة صورة متقدمة من الديمقراطية ، مثل تركيا ، وماليزيا وإندونيسيا .. الخ .. ومع ذلك تظل صورة العالم الإسلامي مرتبطة بالنظم الاستبدادية اللاديمقراطية أكثر من أي شيء آخر . في مواجهة تلك الحقيقة المؤسفة ، لا مناص من أن يقدم المفكرون والقادة والعلماء المسلمون رؤى متماسكة ، مخالفة للرؤى التقليدية التي اصطنعت التناقض المزعوم بين الإسلام والديمقراطية ، أو التي تتصور وجود نظم حكم إسلامي ذا قدسية دينية ، غير قابل للمناقشة أو المراجعة !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت