فهرس الكتاب

الصفحة 24493 من 27364

ومن ثم نرى أن الحضارة الغربية التي سوف تواجه العدو الإسلامي في المستقبل القريب حسب مقولة (هنتنجتون) هي صف أوسع وأكبر وأخطر بكثير من ذلك التصور الذي ساد حتى عهد قريب حول (الغرب) وليست القضية مجرد توسع جغرافي مهما كان مداه وخطورته، بل إن هذا التوسع عدواني في المقام الأول أي إنه مستمر وزاحف ينتهج سياسات الضم والإلحاق والإدراج، وترتيب الحلفاء والأصدقاء، وتحييد القوى التي قد تنضم إلى العدو؛ فهو صف يتبع أساليب عسكرية واضحة في التفكير والنهج. والأخطر من ذلك كله أن هذا الصف الغربي في شكله الجديد الذي تؤسسه وتنشئه مقولة صراع الحضارات يقوم على أساس ظن البعض أنه قد مات في الغرب إلى الأبد؛ وأعني به الأساس العقدي وبالتحديد: الديني المسيحي؛ فبعد قرون من سيادة نهج التفكير العلماني، وبعد أن بشّر الفكر الغربي في طرحه البراجماتي والليبرالي بنهاية الأيديولوجيا أو نهاية سيطرة المفاهيم العقائدية على توجيه الأمور في عصر العلم وثورة التكنولوجيا، كان من المظنون أن أي طرح يقيم الحضارة والثقافة والهوية على أسس دينية عقائدية قد مضى وقته إلى غير عودة في الغرب؛ لكن ها هو البروفيسور الأمريكي يبشر بحضارة غربية تقيم هويتها على أساس مواجهة خصم ديني (الإسلام) وهذا لا يكون إلا إذا كانت تلك الحضارة نفسها تقوم على أساس ديني أو هي شديدة الوعي والحساسية بدور الدين ووضعه كمقوِّم للحضارة والهوية والكيان. وعند هذه النقطة بالذات ينهار منطق الردود التي جاءت من العالم الإسلامي على مقولة صِدام الحضارات.

لقد تناولت من قبل بعض سمات الردود القادمة من بلدان إسلامية على هذه المقولة، لكن السمة الكبرى فيها هي أنها صدرت عن أصوات ودوائر ذات توجه علماني متغرب؛ فضلاً عن أنه واقع تحت سيطرة التوجيه المباشر للدوائر السياسية الحاكمة وهذا طبيعي؛ لأن الواقع في بلداننا الإسلامية يبين أن هذا التيار العلماني المتغرب قد أعطيت له في الآونة الأخيرة السيطرة على منابر الفكر والثقافة والإعلام والتعليم والعمل الاجتماعي في إطار الحملة الجارفة على الحركات الإسلامية بل والإسلام ذاته؛ ولذلك جاء تعامل هذا الصوت العلماني مع مقولة صدام الحضارات غريباً ولافتاً للنظر رغم صدوره عن أشخاص وأجهزة في بلدان إسلامية حسب التاريخ وحسب الأغلبية، وينبغي التركيز على هذه الحقيقة لغرابتها؛ فالرد الظاهر في العالم الإسلامي على مقولة (هنتنجتون) لم يجئ من أصوات إسلامية فكرية صادقة (وهو قد جاء ولكن تعرض للتعتيم) لكنه جاء من ذلك التيار العلماني المتغرب المسيطر بقوة الغير. لذلك تراوح الرد بين اتهامات سخيفة لـ (صمويل هنتنجتون) بأنه (أصولي) (ولولا بقية من حياء لقالوا أصولي إسلامي!) وبين مقولات مضادة تروّج لفكرة أن العلاقة الأساسية التي يدعو لها الإسلام (تذكّر أن هذا الطرح صادر عن علمانيين!) هي علاقة التفاعل والتعاون والتبادل بين الحضارات.

والمشكلة أو الأزمة التي وقع فيها الصوت العلماني المتغرب في البلدان الإسلامية في تعامله مع مقولة صراع الحضارات أنه لم يعد يتوقع أو يفهم أن يؤسس أحد فكرة أو طرحاً على قواعد الدين والعقيدة! إن هذا الصوت كان تلميذاً نجيباً ومطيعاً استوعب دروس علمانية الغرب التاريخية حتى النخاع، ونبذ الإسلام وراء ظهره نهائياً. وهذا الصوت لم يعد يستطيع أن يفهم أو يتعامل مع أي طرح يصدر عن الدين والعقيدة إلا بالرفض أو عدم التصور. ولذلك فعندما فوجئ هذا الصوت أو التيار بالعلمانية تسقط في الغرب، والمسيحية تنهض عند كثير من الفلاسفة وأصحاب المذاهب هناك (وهنتنجتون بالمناسبة هو مجرد صوت صغير غير ذي أهمية في سياق هذه العودة للمسيحية في تصور الأمور) أُسقِط في يديه ولم يعد يعرف كيف يتصرف أو يرد. لم يستطع هذا التيار أن ينادي بنهضة أو إحياء إسلامي، ولم يستطع أن ينادي بتأسيس وحدة حضارية إسلامية شاملة لتواجه الطرح الحضاري الغربي المؤسس على المسيحية الناهضة أو الأصولية!

وباختصار: لم يستطع الصوت العلماني - في تعامله مع مقولة صراع الحضارات - أن يدعو إلى رد إسلامي أو مواجهة إسلامية؛ لأنه نبذ الإسلام وتخلى عنه؛ فكان الرد الوحيد هو هيستيريا اتهام (هنتنجتون) بالأصولية تماماً كهيستيريا اتهام المسلمين بالأصولية والتطرف!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت