فهرس الكتاب
ولم تتوقف المشكلة والمأزق عند هذا الحد؛ فالصوت العلماني المسيطر في التعامل القادم من البلدان الإسلامية مع مقولة صراع الحضارات قد أُشرِبَ الحضارة الغربية وثقافتها وفكرها؛ بحيث لم يعد يتصور أو يفهم أنه توجد حضارات أخرى وثقافات وعقائد غيرها. ومرة أخرى كان هذا هو الدرس الذي تلقاه ذلك الصوت من معلميه الغربيين واتبعه بنجابة التلميذ المطيع. ولهذا فعندما جاءت مقولة (هنتنجتون) تتحدث مذعورة عن خطر الثقافات والعقائد الأخرى على الغرب وقع الصوت العلماني في البلاد الإسلامية في حيرة مضاعفة: كيف يكون هناك خطر وقد تعلمنا أن كل الثقافات الأخرى غابرة، وأن حضارة الغرب وحدها هي القادمة وهي المنتصرة وهي الوحيدة؟ لقد رأى (هنتنجتون) أن هناك صحوة إسلامية تتحول إلى نهضة حضارية تنافس وتجبّ حضارة أمته الغربية.
أما العلمانيون الذين يحملون أسماء إسلامية فلم يروا في هذه الصحوة إلا (ردة) (حسب تعبيرهم) إلى عهود الظلام والرجعية.. إلخ، وردة عن النور الذي جاء من الغرب؛ ولهذا السبب لم يستطع الصوت العلماني أن يرد على مقولة صراع الحضارات بالدعوة إلى دعم الحضارة الإسلامية بكل الأساليب وعلى كل الأصعدة لتتصدى لهجمة الحضارة الغربية الشرسة المتوسعة، والتي تناصب الآخرين العداء، وتتخذ منهم أعداء حسب طرح (هنتنجتون) .
على ضوء تغرب الصوت العلماني حتى النخاع لم يكن الرد المتوقع إلا أن يكون الدعوة إلى الحوار والتعاون والتفاعل والمشاركة مع الغرب مع إلصاق هذا المدخل بالإسلام. أوَليس الإسلام دين المحبة والسلام؟ لكن هؤلاء العلمانيين لم يكونوا يهتمون بالإسلام بأدنى قدر في هذا الطرح يوازي اهتمامهم بنفي أي احتمال للصراع مع الغرب سواء أكان ذلك سياسياً أو اقتصادياً أو حضارياً؛ إذ كيف يقبلون بوجود أي صراع مع الغرب مهما كان مسوّغاً بدوافع الدفاع عن الذات والهوية الإسلامية؛ بينما كل انتمائهم هم، وهويتهم هم، وذاتيتهم هم: غربية الطابع؟
لقد عمي الصوت العلماني عن الصورة الجديدة والتشكيل الجديد لمفهوم الغرب كما تجلى في مقولة صراع الحضارات. لم ير الصوت العلماني أية غرابة في أن تتوسع الحضارة الغربية وتتقوى أو أن تعادي الإسلام؛ فهم من أبناء هذه الحضارة الغربية بالروح وإن لم يكن بالجسد. لكنهم وجدوا الغرابة كل الغرابة في أن تخاف الحضارة الغربية من الإسلام، وتخشى النزال معه، وتحشد لذلك عدتها؛ فطفقوا وباسم الإسلام (!) ينادون بني جلدتهم المسلمين بأنه يجب أن لا يكون صراع مع الغرب بل إخاء وسلم ومحبة وتذلل وأخذ؛ حتى ولو أشهر الغرب سيوف التنصير والاستغلال الاقتصادي، وأعلن الحرب على الإسلام والمسلمين!
إن الرد القادم من بلدان إسلامية عديدة، والذي جرى إبرازه بحيث يتصور المرء أنه هو الرد (الإسلامي) على مقولة صراع الحضارات جاء في الحقيقة وفي معظمه من الأصوات العلمانية المسيطرة والموجودة حتى داخل المؤسسات الدينية الشهيرة بل وعلى رأسها في أحيان؛ ولذلك تخبط هذا الرد بين اتهامات مضحكة لهنتنجتون بالأصولية الفكرية أو الردة عن العلمانية! (وكأنها دين منزل عند هؤلاء الذين لا يقبلون الأديان) وبين اتهامات أخرى بأنه يذكي نيران العداوة والإحن؛ وكأنه ليس مجرد ممثل ومعبر عن حضارته المتوسعة الشرسة في طرحها المعاصر الذي هيمنت عليه المسيحية كعقيدة ودين تؤسس عليه الدول والسياسات والمواقف ويكون قاعدتها المتينة.