الرد (الإسلامي) على (هنتنجتون) كان في الحقيقة رداً علمانياً متغرباً يهاجم الباحث الأمريكي؛ لأنه بطرحه الواضح المباشر لمفهوم الصراع الحضاري والثقافي والديني أعطى الإسلاميين وفكرهم دفعة ومسوِّغاً وحجة كان العلمانيون في البلدان الإسلامية يجتهدون لدفعها وإخفائها. إن العلمانيين في البلدان الإسلامية يبشرون بانتهاء عهد العقائد والديانات وحلول عهد العالمية والكوكبية (وهي ليست سوى هيمنة الحضارة الغربية بعد أن وُصِفت(بالعالمية) المطلقة) لكن ظهور مقولة صراع الحضارات وانتشارها بالشكل الإعلامي الواسع وذيوعها بين الجماهير العريضة أربك هذا الطرح العلماني بين ظهرانينا، وأظهر على العلن ما كان العلمانيون يبذلون ما في وسعهم لإخفائه بفضل سيطرتهم على منابر الإعلام والثقافة ألا وهو أن عهد الفكر العلماني قد ولى في الغرب نفسه، وحل محله عهد من بروز الأديان والعقائد كأسس للحضارة والثقافة عند الغرب، كما أن الحضارة الغربية التي طُرحت على الناس كحضارة عالمية وحيدة تجبّ كل الحضارات والعقائد بحكم أنها ذروة خط التقدم الإنساني قد ظهرت الآن ومن خلال مقولة صِدَام الحضارات على أنها ليست هي المطلقة بحكم أنها قمة التقدم البشري؛ بل إنها مجرد حضارة وعقيدة من بين حضارات وعقائد أخرى، وأنها ليست المطلقة بل تسعى إلى فرض نفسها بالقوة وتخاف من حضارة الإسلام وتسعى للكيد لها. كل هذه الحقائق فضحتها أطروحات (هنتنجتون) ولذلك جاء الرد العلماني عليه ليس من الغرب - حيث انهارت العلمانية - وإنما - وللغرابة - من العالم الإسلامي حيث تحتكر العلمانية دون حق منابر الفعل والفكر والتأثير؛ وجاء هذا الرد غريباً من حيث أنه يتمسح بالإسلام (حقاً أو باطلاً) ويدعو المسلمين إلى عدم النهوض للتحدي الذي تطرحه مقولة (هنتنجتون) بل على العكس إلى الخضوع لهذا التحدي والاستسلام له تحت زعم أن الإسلام باعتباره ديناً للمحبة والسلام لا ينبغي له أن ينهض للصراع والتنافس والجهاد حتى في وجه من يرفعون شعار النزال!