يدل هذا الوضع المنفرد على أن تصور الغرب للصراع القادم يراه عقائدياً في جوهره وليس كما يذهب العلمانيون في الأقطار العربية الإسلامية اقتصادياً مادياً وإن كان بالطبع ينطوي على هذا الجانب. كما يدل أيضاً على أن الإسلام كدين وعقيدة مستهدف بذاته وليس أيضاً كما يذهب العلمانيون وكارهو الإسلام في بلادنا إلى أنه قد استهدف بالعداوة من الغرب بسبب تصرفات من يسمون بالمتطرفين أو الأصوليين أو الإرهابيين على الجانب الإسلامي. لقد أصبح من المقررات الثابتة في هذه الأيام أن نسمع ونقرأ تصريحات لمسؤولين كبار ورموز دينية تبرئ الغرب من تهمة العداء للإسلام واستهدافه وترمي باللوم على المسلمين الذين أتوا ـ في زعم هذه التصريحات ـ من الأفعال المتطرفة والمشوِّهة لصورة الإسلام ما جعل الغرب يخشى الإسلام ويعاديه، لكن هذه المزاعم تفضحها وتنقضها مقولة صراع الحضارات، فمهما بلغت شراسة ما تسمى بأفعال التطرف (ونلاحظ أن معظمها ينصبّ على داخل المجتمعات الإسلامية ذاتها وليس على الغرب مباشرة) فإنها لا تسوِّغ أن يطرح أستاذ جامعي بحثاً علمياً يفترض فيه الموضوعية يضع الإسلام على رأس قائمة الأخطار المهددة للحضارة الغربية، ويسقط أو يقلل من الأخطار القائمة بالفعل من ثقافات وأيديولوجيات ودول وأنظمة قوية وقائمة. لا يمكن لأعمال التطرف وحتى الإرهاب أن تسوِّغ هذا الطرح كما يتبجح العلمانيون الذين يهتمون بالدفاع عن الغرب وتسويغ توجهاته أكثر بكثير مما يهتمون بالإسلام كما يدعون وإلا، فقد بدر من الصين مثلاً من الأعمال العدائية للأمريكان مثلاً في الماضي القريب ما كان يدعو إلى اتخاذها العدو الأول في الحاضر والآتي ومع ذلك تجد من يسوِّغون الصداقة والتعاون معها.
إن مقولة (هنتنجتون) حول صراع الحضارات آتت بنتيجة ربما لم تكن متوقعة منها وهي أنها أسقطت ودحضت أحد أهم طروحات اللادينيين في البلاد العربية في الوقت الراهن وهو أن المسلمين مسؤولون بسلوكياتهم عن إساءة صورة الإسلام في الغرب مما دفع الغربيين إلى اتجاه العداوة، ذلك أن طرح (هنتنجتون) عن الجوانب العميقة والجوهرية في علاقات الحضارات ولا يتوقف عند أعمال عنف أو تطرف هنا أو هناك على زعم صحتها، وهو إذ يتحرك على هذا المستوى الأعمق يصدق مع النفس (أي مع الذات الحضارية الغربية) ويرى أن الإسلام سوف يكون هو الخصم الأكبر للغرب وليس أي من الحضارات الأخرى. صحيح أن (هنتنجتون) يتحدث كسائر الصحف الغربية عن الإرهاب والأصولية والتشدد الإسلامي لكن كل هذه الدعاوى تبدو فجة وواهية بل وكاذبة إذا ما وضعت بجانب الحقيقة التي يدركها الجميع وهي أن الإسلام كقوة دولية فاعلة ومؤثرة ليس موجوداً الآن بالحجم الذي يسوِّغ كل هذا التهويل؛ لذلك تبقى الحقيقة أو الاستنتاج المنطقي بأن استهداف الإسلام بتسميته الخصم الحضاري للغرب لا ينطلق إلا من دافع العداء الصرف لهذا الدين والعقيدة. وهناك الدوافع التي ألمحت إليها من قبل باستنهاض همم الغربيين وحشد قواهم وتوجيهها ناحية العدو الخارجي وليس الداخلي مع إيجاد فرصة للذات الحضارية الغربية لكي تتحدد وتتجدد في مواجهة الآخر. وفوق هذه الدوافع نجد أن أطروحة (هنتنجتون) ترمي إلى مساعدة الدوائر الحاكمة في الغرب على تحديد استراتيجية للمستقبل بوضع العدو المحتمل أمام أنظارهم. وإذا تتبعنا مسار السياسات الغربية ولا سيما الأمريكية في الأعوام الأخيرة لوجدنا أن هذه الأطروحة قد أصبحت بالفعل تمثل النور الهادي والمرشد للتحركات الغربية عن عداء وملاحقة للإسلام ومن تحريض للأنظمة والدوائر التابعة على مواصلة هذه الملاحقة والاضطهاد للحركات الإسلامية. وهكذا تتحول الأطروحة النظرية إلي واقع عملي منظور.
وما تزال مقولة صراع الحضارات تجلِّي لنا من الجوانب الكاشفة الشيء الكثير الذي ينتظر البحث في مقال قادم بإذن الله.