فهرس الكتاب

الصفحة 24488 من 27364

لكن الهند الهندوكية الآسيوية تبقى هي اللغز في الاستبعاد من قائمة الخصوم. فلماذا استبعدت الهند وهي دولة نووية التسلح فيما يقول الغرب نفسه، وهم كذلك يقولون لنا إنها قوة اقتصادية ناهضة تشبه في عدد سكانها وطبيعة نشاطاتها الاقتصادية (بل تفوق) ما تسمى باقتصاديات النمور الآسيوية؟ لماذا استبعدت الهند ووضعت الصين واليابان وقوى آسيوية أخرى على قائمة خصوم الغرب المحتمل أن يتصارعوا معه؟ هل ذلك لأن قوة الهند الذرية والاقتصادية هي قوة مكرسة علناً ضد المسلمين حول الهند في بنجلاديش وباكستان وشمالها في وسط آسيا بل وإلى إيران والخليج أو نزولاً إلى ماليزيا وإندونيسيا؟ وإذا كانت الهند مستبعدة من قائمة خصوم الغرب في القرن القادم برغم أنها ليست قوة غربية وبرغم إمكاناتها العسكرية والاقتصادية الهائلة فقط لأنها قوة ستنهض بدور المواجهة للإسلام حولها؛ فماذا يدلنا ذلك عن مقولة صراع الحضارات؟ إن الدلالة الواضحة هي أن تلك المقولة لا تنبني فقط على مبدأ الدفاع عن الحضارة الغربية والانتصار لإثبات ذاتها وهويتها بل إنها تقوم أيضاً على منطلق ديني معاد للإسلام يقبل بأن يتحد الغرب الأبيض المسيحي الأوروبي الثقافة مع حضارة سمراء هندوكية شرقية آسيوية ولا يتخذ منها خصماً محتملاً رغم إمكاناتها القوية الواضحة؛ لا لشيء إلا لأن هذه الحضارة أو الثقافة قد حددت بالفعل استراتيجياتها للمواجهة؛ بحيث تتصادم لا مع الغرب (أمريكا أو روسيا أو أوروبا) بل مع الكتلة الإسلامية المجاورة لها بل وقد تتصادم كذلك مع الكتلة الصينية التي يخشاها الغرب وكان قد سبق لهم صدام من قبل.

وإذا عدنا إلى قائمة الخصوم كما تحددها مقولة صراع الحضارات فسوف يستوقفنا المزج كما قلنا بين القوى الموجودة بالفعل والقوى الموجودة فقط بالاحتمال النظري غير المؤكد؛ مع إعطاء الأولوية في الخطورة ودرجة التحذير لهذه القوى الأخيرة، ونعني بها الإسلام. فالتركيز يجري على الخطر المحتمل من جانب الحضارة أو التيارات الإسلامية قبل أي شيء آخر؛ رغم أن هذه التيارات تعاني من ضعف شديد أو على الأقل تعاني من هجمة شرسة ليس فقط من جانب الغرب بل من جانب أنصار وعملاء الغرب داخل الدول الإسلامية نفسها سواء أكان هؤلاء من التيارات العلمانية المتغربة أو من الدوائر الحاكمة. وهنا يثور التساؤل: لماذا يوضع الإسلام الجريح ـ كدول وتيارات ـ موضع الخطر الأسمى وهو مجرد احتمال قوة؟ بينما لا تذكر القوى الفعلية المؤكدة التي يعاني منها الغرب بالفعل الآن إلا في المرتبة الأخيرة، وربما على سبيل العرض أو لإعطاء الانطباع بأن الإسلام لا يستهدف وحده؟ إن وجود إجابة على هذا السؤال من الأهمية بمكان، إذا كان الأمر قضية تحذير حقيقي من خصوم سوف يجري معهم الصراع في السنوات القادمة كما يقال؛ فلماذا لا يتصدر القائمة الخصوم والمنافسون القائمون فعلاً ويتصدرها خصوم محتملون بدرجة ضعيفة؟ إن الشكوى الآن في الغرب هي من المنافسة الاقتصادية الطاحنة من جانب الصين واليابان وسائر الاقتصاديات الآسيوية الناهضة مما يهدد حقيقة وفعلاً ربحية الصناعة والتجارة الغربية ويهدر قدرتها على المنافسة، بل إن الشكوى كانت وما زالت قائمة من التنافس الاقتصادي الشديد داخل الكتلة الغربية ذاتها (ألمانيا في مواجهة دول أوروبا الغربية وأوروبا الغربية، في مواجهة أمريكا... إلخ) فلماذا والحالة هكذا ينحّى هؤلاء الخصوم القائمون الفعليون ويصدّر الإسلام للعداوة وهم لم ينافس ويصارع الغرب بعدُ بدرجة تمثل أي تهديد؟ وربما يقال إن هؤلاء الخصوم اقتصاديون أساساً في تهديدهم بينما تهديد الإسلام المحتمل أو منافسته هي على المستوى الثقافي الحضاري أو العقائدي الأوسع وهو ما يهم الغرب في الجوهر على الرغم من إعلاء شأن المادة والنقد والاقتصاد في الحضارة الغربية. وأياً كانت الحال فإن وضع الإسلام بالذات منفرداً على أول قائمة الحضارات التي سيجري الصراع معها من جانب الغرب في المستقبل القريب على الرغم من وجود خصوم يفترض أنهم أجدر منه بتلك المكانة لذو دلالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت