يحاول الكاتب الإجابة على هذا السؤال الصعب، في فصل كامل من فصول الكتاب لعله أقيم وأمتع ما في الكتاب. ويسخر الكاتب بادئ ذي بدء من النظرة السطحية التى سيطرت على تفكير الغرب ردحا من الزمان، متهمة الحركات الإسلامية بالرجعية وعداء الحداثة الغربة والوقوف ضد الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية والإرهاب. ويرى أن نظرية صدام الحضارات رؤية أعور للإسلام، ينقصها الإنصاف هدفها إعفاء الغرب من المسئولية عن ازمات النظام العالمي المعاصر، لكن هذه الإزمات ليست من صنع الإسلام بل للغرب ضلع كبير فيها. وينصح الغرب بأن يقوِّم الإسلاميين تقويما منصفا ينطلق من نظرة شاملة تقيس الأمور من وجهة نظرهم ومن وجهة نظر الغرب.
وانطلاقا من ذلك يرى الكاتب أن الإسلاميين قد استطاعوا أن يملأوا فراغا كبيرا في العالم الإسلامي، لأنهم قد استجابوا لحاجات ملحة وواجهوا واقعا معقدا، وطرحوا حلولا لمشكلات عويصة، وتحملوا وظائف وأعباء جسيمة جعلت أوطانهم ترى فيهم الخلاص والمنقذ والمستقبل. وهكذا أصبح الإسلام الحل الوحيد المطروح بعد فشل كثير من المبادئ والأفكار في العالم الإسلامي من تغريب وعلمانية وشيوعية وقومية. ومن أهم ما قام به الإسلاميون أنهم عرَّفوا الأمة بهويتها، التي تجمع بين المحلية والعالمية وبين القومية والعرقية وبين الأصالة والمعاصرة. وسعوا من الناحية الفكرية لتجديد الإسلام من تقاليد الماضي العتيقة، ولهذا طرحوا أنفسهم بديلا لطائفة العلماء التقليديين الجامدين، وصاروا حربا لهم وللحكومات الفاسدة التي ساندوها بفتاواهم وخطبهم. وسعى الإسلاميون لإعادة صياغة االفكر الغربي المعاصر ونظمه من وجهة نظر إسلامية، وآمنوا بالدفاع عن الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان، خاصة لأنهم كأنوا أول ضحايا غيابها وأكثر من ذاق ويلات ضياعها. وطالبوا بحرية العمل السياسي وتكوين الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني، وطالبوا بأن تكون للمرأة حقوقها ومكانتها. ويخلص أنه ليمكن القول أن الإسلاميين ليسوا أعداء للفكر الغربي وما فيه من محاسن كالديمقراطية، بل لعلهم يكونون جسرا لتعديل النموذج الغربي للديقراطية وجعله أكثر ملاءمة لظروف العالم الإسلامي.
الإسلاميون والإرهاب
حتى تهمة الإرهاب التى يلصقها الغرب بالإسلاميين عموما، يرى الكأتب أن فيها إجحاف لأن الإرهاب والعنف محصور في فئات قليلة من بين الإسلاميين، ولا يصح تعميم وصف تياراتهم العريضة به. بل ويرى أن كثيرا من الإسلاميين قد عبروا عن سخطهم واستائهم لحوادث الحادي عشر من سبتمبر، ووقفوا موقفا معتدلا من استعمال العنف الذي لا يجيزونه ضد المدنيين والأبرياء. ويقول حتى لو لم يكن الشرق مسلما بل كان نصرانيا، لوقعت المواجهة بينه وبين الغرب لتضارب المصالح بين الطرفين. وينتقد الكاتب اتخاذ أمريكا الإرهاب عذرا لغزو أفغانستان والعراق، ويرى أن ذلك قد كان سببا لزيادة العداء ضد أمريكا ولزيادة الإرهاب وليس حربه وأضعافه.
محاولة للإنصاف
ولا شك أن هذا التحليل المسهب لأسباب نجاح خطاب الإسلاميين، ومقدرتهم على تجميع الجماهير وتحريكها، فيه كثير من الإنصاف لم يتصف به إلا قلة من الباحثين الغربيين. ويمثل ذلك اتجاها بدأ يقوى ويزداد، ولعل من أكبر دوافعه وأسبابه النقد الذاتي، الذي يوجهه كثير من المفكريين الغربيين لحكوماتهم وسياستها في المشكلات العالمية، بعد انهيار العالم الشيوعى وانفراد أمريكا وأوربا بالهيمنة على العالم. هذه الهيمنة التي بشر بعض المفكرين بأنها فاتحة خير للبشرية ونهاية مسيرة تارخها نحو العدل والسلام، لكن سرعان ما زال السراب واصطدمت الأحلام بالواقع وانكشف الغبار عن الحمار. ودفع هذا بعدد من الغربيين من ذوي االنظر الثاقب إلى التبصر والتفكر ومحاولة قراءة الواقع من وجهة نظر مختلفة. ولا يقتصر هذا الاتجاه على النخبة المفكرة وحدها بل تعداها الى بعض عوام الجماهير، التي شاركت في المظاهرات ضد حرب العراق وإدانة الكذب الصريح لتسويغ الحرب، وأصبحت صيحات الاحتجاج والنقد تتعالى حتى ضد إسرائيل التى كانت تتمتع بحصانة وقداسة لا تمس. ومن المؤسف أن العالم الإسلامي لم يستثمر مثل هذا الاتجاه المناصر لقضاياه والاستفادة منه وتوظيفه ودعمه، لكن ليس على الأعمى والأعرج حرج!!
الإسلاميون والسلطة