ويتناول الكتاب في فصل مستقل دور الإسلامين وبرامجهم السياسية في ظل ما تتيحه لهم الحريات في بعض بلدان العالم الإسلامي. ويقول أن الإستعمار والحكومات التى أعقبته حاولت إقصاء الإسلاميين عن العمل السياسي، واستعمال القوة والبطش لمنعهم من التأثير في القرار السياسى. ولكن مع هذه الصعاب والحواجز فقد قام الإسلاميون بجهد واضح وتحملوا أعباء ضخمة لإصلاح المجتمع من وجهة نظرهم. ويعدد الكتاب بعض إنجازاتهم منها التوعية الدينية والدعوة، ومنها إقامة مؤسسات طوعية تعليمية وخدمية واقتصادية، ومنها تكوين جبهات وتحالفات مع الأحزاب الأخرى لتكون جماعات ضغط تؤثر في القرار السياسي، ومنها خوض الانتخابات ودخول المجالس التشريعية والمحلية والمشاركة في الحكومة والسلطة في بعض الدول. ويكاد يجمع كل الإسلاميين على أن السلطة هى مفتاح التغيير للمجتمع وبوابة الإصلاح، لهذا يجدُّون في السعي للوصول إليها والتمكن منها. وإن كانوا يختلفون فيما بينهم في وسيلة الوصول، ففي حين يرى البعض أن الدعوة والتربية هي الطريق لأن الإصلاح يأتي من القاعدة، يرى فريق آخر أن الإصلاح يكون من القمة ومن أعلى إلى أسفل، فإذا صلح الرأس صلح الجسد. ولا يبدي الكاتب رأيا خاصا إزاء هذا الجدل، ولا يتوقع منه ذلك. ولا شك أن الأمران متلازمان ويقوى كل منهما الآخر، ولا يمكن الأخذ بطريقة واحدة واهمال الأخرى، سواء قبل التمكين والوصول للسلطة أو بعد ذلك.
وإذا استطاع الإسلاميون أن يقدموا كل هذا الطرح، وأن يخاطبوا الجماهير بما يدغدغ أشواقها ويبعث طموحاتها، فهل سينجح الإسلاميون في تطبيق شعاراتهم ونظرياتهم؟ يتوجه الكاتب بنظره إلى تقويم تجربة الإسلاميين في السلطة، ويختار لذلك تجربة البلدان الثلاثه التى نجح فيها الإسلاميون في الوصول للسلطة، وهي أفغانستان وإيران والسودان. ومن العجيب أنه يتجاهل تماما تجربة تركيا ولا يتعرض لذكرها. ويتساءل الكاتب عن المنطلق الذي تقوم به هذه التجارب، فيقول أن الغرب عامة وأمريكا خاصة، تخطئ حين تقوِّم هذه التجارب من زاوية مصالحها الخاصة، ويؤكد أنه ينبغي الحكم عليها من وجهة نظر شعوبها ومن معايير وأسس الحكم الصالح، وما تقدمه من خير وما تجلبه من شرور. وابتدأء يرى أن ثلاث تجارب فقط غير كافيه للحكم على القطاع العريض من الإسلاميين، الذين تتعدد حركاتهم وتتفاوت، ولكنها تعطي مؤشرات. كما أن عمر هذه التجارب قصير ولا يمكن الحكم من خلال فترة وجيزة على مشروع الإسلام السياسى بجوانبه الكثيرة وطموحاته الكبيرة، إذ أن بناء الدول والأمم والحضارات يحتاج لوقت ولا تظهر معالمه في زمان وجيز. ويرى الكاتب أن مجرد وصول الإسلاميين إلى السلطة إنجاز لعملهم وسعيهم المتواصل نحوها، ولكنه يعيب على الإسلاميين في هذه الدول الثلاثه، أن وصولهم للسلطة لم يكن عن اختيار ديمقراطي، بل كان عن طريق القوة، نتيجة حرب أهلية في افغانستان وثورة شعبية في إيران وانقلاب عسكري في السودان. ورغم اعترافه بأن هناك انفتاح في السنين الأخيرة في إيران والسودان، لكن لا زالت آثار النشأة تصبغ النظام بنوع من الشمولية والاستبداد. ويمدح الكاتب الذي جعل الديمقراطية مثله الأعلى للحكم، آخذ السودان وإيران بنموذج الحكومة الغربية، ويمدح ما تتمتع به من فصل بين السلطات ومن قيام انتخابات ومجالس تشريعية. ورغم أن النظامين قد مرا بتجارب من الإخفاقات ناتجة أساسا عن قلة الخبرة، إلا أنهما قد تمكنا من تعديل سيرهما حسب نظر الكاتب، ويوصي الكاتب المجتمع الدولي وأمريكا خاصة بمساعدتهما على التطور والإصلاح بدلا من شن الحرب عليهما. وهي نصيحة غالية من خبير ببواطن الأمور ولكن ينبغى الوقوف وإمعان النظر في نوع الإصلاح والتطور الذي تطالب به أمريكا، وبين الإصلاح الذي ينبع من داخل النظام وتمليه الخطط والأهداف النابعة من قلب النظام نفسه.
ولا ينبغى أن يغيب عن البال أن الكاتب رغم محاولته التزام الإنصاف والنظر من زاوية الإسلاميين ورؤيتهم للأمور، إلا أنه من الطبيعي أن يرى النموذج الغربي للدولة والديمقراطية، المثال الذي ينبغي للعالم أجمع الأخذ به واقتفاء آثاره. ولهذا فهو يمدح الإسلاميين حين جعلوا النموذج الغربي مثالهم، وهو مدح لا يغيب عن فطنة الذكي أنه توجيه خفي، والكتاب ملئ بمثل هذه الإيحاءات الخفية. ولكن نظرة فاحصة تبين أن فكر الإسلاميين السياسى لم يتجاوز هذه العقبة، وأن تقمصه للنموذج الغربي للحكم دون روية ودون نقد، وإلباسه هذا الجسم الغريب عن الإسلام لباس الإسلام، أمر يحتاج لمراجعة. إذ أن الحكومة المعاصرة وحش ضخم يسيطر على كل شئون المجتمع، ولا شك أن الحكومة الإسلامية في عصور الإسلام السابقة لم تكن تتحمل هذه الأعباء الجسام كلها، بل كانت تقوم ببعص الوظائف، وتترك للمجتمع الاستقلال بتدبير كثير من الخدمات من تعليم وصحة ومواصلات وطرق عن طريق مؤسسات وقفية، أوما أسمى اليوم يمؤسسات المجتمع المدنى. وليس هذا محل بسط هذه القضية.
المستقبل