فهرس الكتاب

الصفحة 15238 من 27364

وأخيرا يختم الكاتب بحوثه باستطلاع لآفاف مستقبل الإسلام السياسي. ويوطئ لذلك بنظرة سريعة للخريطة العالمية والقوى العاملة فيها، التى ستؤثر بثقلها على رسم مستقبل الإسلاميين. فمما لا شك فيه أن العالم يموج بعوامل كثيرة وتيارات متلاطمة، يسوق الكتاب عددا منها. ولعل أقواها تأثير الأفكار الغربية من انحسار الدين عن الحياة العامة وحصره في الحياة الخاصة، واتساع دائرة الحريات الشخصية، وسيطرة العلمانية والمادية الغربية ومذهب المتعة واللذه على شعب الحياة، وتعالي أصوات الأقليات والصراع بين حقوقها وحقوق الأغلبية، وازدياد مشاعر العرقية واالطائفية والمطالبة بحقوقها، وتضخم العولمة وهيمنة الدول العظمى على الأمور صغيرها وكبيرها. وتبحر سفينة الحركات الإسلامية في هذا الخضم الهائل، ولا تستطيع أن تنفرد بتقرير مستقبلها.

ومع هذا فإن الكاتب يرى أن الإسلاميين سيفرضون أنفسهم في المدى القريب، ويتنبأ بوصول الإسلاميين للسلطة في عدد من البلدان مثل مصر واليمن وباكستان، وسيحققون عددا من المكاسب رغم التحديات الكبيرة والعقبات التى تواجههم، خاصة في مجال الاقتصاد والتنمية. ولكنه يخشى أن ينشغل الإسلاميون بردود الفعل الوقتية، والمعارك الجانبية التى قد تستنزف كثيرا من جهودهم ومواردهم، وتصرفهم عن غاياتهم الكبرى ومشاريعهم الرئيسية. وهو خوف يعبر عنه بطريقة ذكية، فيها من التوجيه والإيحاء لإحدى طرق محاربة الإسلاميين، فهل يعى الإسلاميون النصيحة ويكونوا أكبر ممن يتشيطن عليهم بمثل هذه الطريقة الماكرة. ولا يفوت الكاتب أن يتنبأ أن المحك الأساسي لاختبار الإسلاميين هو فخ السلطة، التى إن فشلوا فيها كانت السم الترياق الذي يميتهم ويستأصلهم. وكانه يحث أمريكا على دفع الإسلاميين إلى اعتلاء كرسى الحكم قبل أن يقوى عودهم وتكون لديهم المقدرة على تسيير دفة الحكم. ويقول"لا شئ يمكن أن يظهر الإسلاميين بأسوأ صورة من تجربة فاشلة في الحكم". وهو قول صريح لا ينقصه الصدق، إلا أنه لا يأخذ في الاعتبار أن الإسلاميين يمدهم دينهم بايمان راسخ، أن النصر والتمكين والهزيمة والفشل، لا تعتمد فقط على الأسبباب المادية الظاهرية، بل إنما تحركها يد الله الخفية التى لا يستطيع الغرب أن يحسب حسابها. ولا شك أن الإسلاميين بشر وتجاربهم في الحكم فيها الخطأ والصواب، ولا أظن أن أحدا عاقلا يمكن أن يدعي أن خطأ أي تجربة بشرية للحكم الإسلامي في أي زمان ومكان، يؤاخذ بها الإسلام ويذم بسببها، أو تكون شاهدا ودليلا على فشله وعدم ملاءمته لحل المشكلات العصرية. ومثل ما كانت هناك عدة محاولات فاشلة في التاريخ الغربي المعاصر، إلى أن استطاعت دوله الوقوف على رجليها وبناء نظمها السياسية على أسس مبادئها النظرية التى نادى بها فلاسفتها ومفكروها، فإن التجربة والصواب والخطأ والنجاح والفشل، هو الوسيلة البشرية الوحيدة المتاحة لبلوغ الغايات والأهداف. ومثلما تعددت الجمهوريات الفرنسية من جمهورية أولى وثانية وثالثة، فإذا فشلت تجربة الحكومة الإسلامية الأولى، فأمام الإسلاميين الحكومة الإسلامية الثانية، والحكومة الإسلامية الثالثة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت