من الأمور التى قد تغيب حين الحديث عن التعددية بأنواها المختلفة ، أن التعددية قد اكتسبت معنى براقا ويظنها الناس أمرا مستحسنا في عمومه ، وإن كانت هناك بعضا من تفاصيله غير مقبولة . ولكن لا ينبغى أن ينسى أن التعددية إذا تطرفت فإنها تكون شرا محضا ، لأنها من الممكن أن تستأصل وحدة المجتمع وتنزلق به إلى مهاوي الفرقة والانقسام والتناحر . ويسعى كل من ينادي بالتعددية إلى الموازنة بينها وبين الوحدة حتى لا يطغى جانب على جانب ، وإن اختلفوا فيما بينهم في كيف يتحقق هذا التوازن . وتسعى الدول التى تسم نفسها بالتحررية أن تفصل بين المجالين العام والخاص في الحياة ، فتجعل الاختلاف والتعدد في دائرة الحياة الخاصة ، أما دائرة الحياة العامة فتستأثر بها الدولة ولا تسمح فيها إلا بأقل ما يمكن من التعددية . ويكاد أن يتبنى هذا الحل أكثر دول الغرب وإن كان كما شرح سابقا هناك تفاوت في التطبيق ، ومن أحسن الأمثلة على الفصل الصارم بين العام والخاص فرنسا وتركيا . ولكن المغالطة هنا هو الادعاء أن العام محايد لا ينحاز إلى فئة من فئات المجتمع بل هو يتخذ سبيلا وسطا بين تيارات المجتمع المختلفة . وهذا ادعاء غير مسلم به ويواجة نقدا شديدا من الناحية النظرية ومن الناحية العملية [1] . فمما لا شك فيه أن العام يقوم على تصورات وفلسفة ومناحج قد لا تتفق مع كل فئات المجتمع ، بل قد توافق بعضا وتصادم البعض الأخر . والمحصلة النهائية أن بعض فئات المجتمع ينالها الظلم والتهميش ، ومن أكبر الشواهد على ذلك الأقليات اليهودية في خلال القرن التاسع عشر في أوربا ، والسود والملونين في أمريكا ، والأقليات المسلمة في الغرب في الوقت الحاضر. ثم إن التمييز بين حدود الخاص والعام أمر عسير وكثيرا ما تختلط الأمور .
وتعتمد كثير من الدول على اعتبار أن فئات المجتمع على اختلاف انتماءاتها الدينية والعرقية والثقافية ، تجمع بينها ثوابت كثيرة ومصالح قومية ووطينة ، ويعتبر ذلك الضمان الأكبر لمسألة التوازن بين الوحدة والتعددية . ويطلق على ذلك أحيانا تعبير"قواعد اللعبة"، إذ أن التعدد والاختلاف ينبغى أن يعرف هذه القواعد ويلتزم بها وبذلك تتحقق الوحدة الوطنية . ومن الواضح أن الإسلام ينحو هذا المنحى ، إذ أنه لم يعرف التفريق بين الحياة العامة والحياة الخاصة ، لكنه من أجل المحافظة على الوحدة ، جمع الناس على مبادئ مشتركة ، أما المسلمون فالأمر واضح إذ أن الخلاف له حدوده وضوابطه وأدبه ، وتجمع الناس أصول كثيرة مجمع عليه بين المسلمين ، والجماعات التى تخالف في هذا الأصول ، تجمعهم حقوق مشتركة ، ومن الموافق المشهورة في ذلك قول على بن أبي طالب للخوارج:"إن لكم علينا أن لا نمنعكم فيئا ما دامت أيديكم معنا وأن لا نمنعكم مساجد الله، وأن لا نبدأكم بالقتال حتى تبدءونا به." [2] ومن الممكن أيضا أن تكون هناك ثوابت جامعة بين المسلمين وغيرهم ، ومن شواهد التاريخ في ذلك وثيقة العهد في المدينة بين الرسو صلى الله عليه وسلم والانصار والمهاجرين واليهود الذين كانوا بالمدينة ، كما ذكر ابن كثير في سيرته قال: وقال محمد بن إسحاق:"وكتب رسول ا صلى الله عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والأنصار ، وادع فيه اليهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم ، واشترط عليهم وشرط لهم" [3] . . وقد قال الرسو صلى الله عليه وسلم عن حلف الفضول الذي كان في الجاهيلة"لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبد الله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم، رواه الإمام أحمد بسند صحيح وجاء في رواية مرسله ولو دعيت به في الإسلام لأجبت."
ونسأل الله أن يغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا ونعوذ بالله من الزلل والضلال .
[2] البداية والنهاية لابن كثير ، ج 7 ، فصل قتال على للخوارج .
[3] البداية والنهاية لابن كثير ، ج