فهرس الكتاب

الصفحة 19555 من 27364

وقد اقتضت حركة المجتمع ومستجدات الحياة إصدار أحكام شرعية جديدة عليها، وتطلبت هذه الأحكام علوماً شرعية تساعد على تقنينها، فانبثق علم أصول الفقه، ثم علم مقاصد الشريعة، ليكونا أبرز علمين كان الهدف منهما المساعدة في ضبط عملية الاجتهاد.

ساهمت حقائق القرآن والسنة - التي أشرنا إليها سابقاً - في توحيد عادات الأمة الإسلامية وتقاليدها في مشارق الأرض ومغاربها، وساعدت على توحيد الأذواق فيها، وشاركت في توحيد بنائها النفسي والعقلي، وأسهمت في توحيد نظرتها للأشياء المحيطة يها، وساعدت في توحيد ميزانها القيمي، وشاركت في توحيد تفسيرها لأمور ما قبل الحياة وما بعدها... إلخ، كما ساعدت العلوم التي ارتبطت بالقرآن الكريم والحديث الشريف واللغة العربية والتي ذكرنا بعضها في في حفظ نصوص القرآن والسنة من جهة، وفي إيجاد طريقة موحدة لاستنباط الأحكام الشرعية وتقنينها ضمن منظومة الحلال والحرام والمكروه والمندوب... إلخ، من جهة ثانية.

أما الدعامة الثانية للوحدة الثقافية؛ فهم العلماء والفقهاء الذين جاءوا من تعظيم الدين للعلم، وثناء القرآن على العلماء، وحض الرسو صلى الله عليه وسلم على التعلّم، واتخاذ صلى الله عليه وسلم مواقف عملية تترجم ذلك في أكثر من مناسبة، كما حدث مع أسرى بدر حين جعل فداءهم تعليم الكتابة لعدد من المسلمين.

وجاءت من وجود أوقاف غنية تنفق على العلماء، وعلى طلبة العلم، وعلى دور العلم، وعلى نسخ الكتب، وعلى إنشاء المكتبات العامة، وقد قام العلماء والفقهاء بحراسة وحدة الأمة الثقافية وتحصينها والسهر عليها وإيجاد اللحمة الثقافية التي تدعم الوحدة وتنمّيها وتوسّع ساحتها.

لكن وحدة الأمة تتعرض الآن إلى أخطر تهديد على مدار القرون الماضية جميعها، وهذا التهديد جاء من الكيانات القطرية التي تسعى إلى تأسيس ثقافي مستقل بها، مما سيؤدي إلى تقسيم الأمة الواحدة إلى أمم متعددة مختلفة، ولكن هذا التأسيس الثقافي للقطرية مرّ بمرحلتين:

الأولى؛ مرحلة تقسيم الأمة الواحدة إلى أمتين؛ عربية وتركية، وقد جاء ذلك على يد دولة الاتحاد والترقي في عام 1908م من الجهة التركية، وعلى يد الثورة العربية الكبرى عام 1916م من الجهة العربية.

ولم تستطع الثورة العربية أن تجمعّ ما كان متفرقاً، بل فرّقت ما كان مجموعاً في اتفاقية"سايكس/بيكو"وغيرها.

ثم جاء التنظير القومي على يد ساطع الحصري ليرسّخ القطرية، ليس لأنه أراد ذلك، بل لأنه جعل الأمة تقوم على عنصري اللغة والتاريخ، واستبعد الدين من عناصر تكوين الأمة، وهو في ذلك كان متابعاً النظرية الألمانية، ولكنه نسي أننا لا نستطيع أن نفهم واقع الأمة التي تقطن العالم العربي إلا بالإسلام، لأن الإسلام دخل كل تفصيل حياتها الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية... الخ، وأننا إذا أردنا أن ننتقل بهذه الأمة من واقع التجزئة إلى الوحدة فلابدّ من الاعتراف بدور الإسلام في بناء الأمة وتفعيل عناصره، وهو ما لم تقم به القيادات القومية، فكان بروز القطرية وترسخها، وصار الظن عند عامة الناس؛ بأن التجزئة هي الأصل والوحدة هي الطارئة، مع أن العكس هو الصحيح.

الثانية؛ مرحلة التأسيس الثقافي المستقل لكل قطر: اتخذ دعاة القطرية عدم التقدم باتجاه الوحدة خلال القرن الماضي حجة من أجل اعتبار الوحدة؛ خيالاً ووهماً، واتخذوا ذلك أيضاً ذريعة من أجل الترويج للقطرية والتأسيس الثقافي لها، والذي تجلّى في عدة عوامل، منها؛ طباعة كتب المؤرخين الذين تناولوا تاريخ القطر، وإبراز الرحالة الذين مرّوا به وكتبوا عنه، وتعظيم رموز الأدب والشعر المرتبطين به، وتزكية تاريخه السابق على الإسلام - كالتاريخ الفرعوني والبابلي والكلداني والآشوري والبربري والسيرياني والفينيقي - وإنشاء مراكز ومؤسسات ترعى ذلك التاريخ... إلخ، ويرافق كل ذلك الاهتمام باللغة العامية، والاهتمام بالشعر الشعبي والترويج لشعرائه ودواوينهم، والاهتمام بالعادات والتقاليد والفولكوز الشعبي الخاص بذلك القطر، وإنشاء المتاحف الخاصة به... إلخ.

ليس من شك بأن هذا التأسيس الثقافي المستقل لكل قطر على حدة؛ يتقاطع مع الوحدة الثقافية التي عرفتها الأمة على مدار تاريخها السابق، وهو في حال استمراره ونجاحه فإنه سيؤدي إلى أخطر ما واجهته أمتنا على مدار تاريخها السابق، وهو تحويل الأمة الواحدة؛ إلى أمم متعددة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت