الثاني: المؤيدون أنفسهم يقف تأييدهم عند مستوى الصندوق لا يتعداه, فليس لديهم استعداد للمطالبة بحق مغتصب, أو النضال من أجل الحفاظ على حق مكتسب .
وبالتأمل في هذه الاعتبارات يتبين لنا أن أكثرها تأثيراً في تصوير شعبية المنهج الإسلامي هو اعتبار حجم التأييد للتيارات الإسلامية في الانتخابات التشريعية و النقابية, و على الرغم من ذلك، فالقراءة المتأنية لمستجدات الأحداث لا تبشر بمستقبل مشرق لهذا التأييد, و هو ما سنبينه تاليا .
إذن ...هل تصبح العلمانية خيار الجماهير في المستقبل ؟!!
لا نقول بذلك و لا نتمناه, و لكن الواقع المر لا يطيب بحلو الكلام, و يكفي للتنبيه على عظم الأمر أن نذكر عوامل أربعة تدق نواقيس الخطر لمن يريد أن يساهم في إيقاف سعي العلمانيين الحثيث للصعود بهذه الأمة إلى الهاوية:
العامل الأول: التنامي المتدرج و المستمر لجهود طمس الهوية الإسلامية، و تذويب الثقافة الإسلامية, و تحقيقها نجاحات متعددة في الفترة الأخيرة, و يشكل الإعلام و التعليم ركنين أساسيين في هذه الجهود التي من شأنها أن تؤدي إلى إيجاد أجيال تجهل كل شئ عن الإسلام, و بالتالي تنكمش لغة التخاطب و التفاهم بينها و بين الدعوة الإسلامية لحساب دعاة النهج العلماني, و من ثم يتضاءل حجم الإحساس و التفاعل بكل ما ينتمي للإسلام, و هذا ولا شك من شأنه أن ينقل العمل الإسلامي إلى مرحلة مختلفة تماماً, و يكفي أن نتأمل نماذج هذه الأجيال في المدارس و الجامعات لنعلم حجم الكارثة المنتظرة .
العامل الثاني: خلو الساحة الفكرية، والثقافية، والسياسية من أي رمز أو فكر أو حركة - حزب ذي جماهيرية ملحوظة- و بخلاف التيارات الإسلامية فلا يوجد أي منافس بمعنى الكلمة, و لكن المؤسف أن الحركة الإسلامية لا تستغل هذا الفراغ، و لا تسعى لملئه بما لديها من الحق ،, بل تعجز أطروحات معظم الحركات الإسلامية عن تحقيق طفرة جماهيرية بعيدا عن موسم الانتخابات, و لن نشعر بخطورة الأمر إلا إذا أفرزت قوافل العلمانيين رموزاً أو أفكاراً أو أحزاباً تتمتع بقدرة على خداع الجماهير و التلبيس عليها, عندها ستزداد الوطأة و نعض أصابع الندم على تفويت الفرصة السانحة, و ما تجربة عبد الناصر عنا ببعيد , فقد استطاع خداع الناس و سرقة عواطف الجماهير و قلب الطاولة على الحركة الإسلامية .
العامل الثالث: اعتماد مبدأ جزئية المشاركة في الانتخابات من قبل تيارات العمل السياسي؛ استجابة للضغوط، و التهديدات الأمنية، و السياسية، وهو سلاح ذو حدين, فهو و إن كان يؤمن للحركة الإسلامية مشاركة مأمونة نوعاً ما , ففي المقابل ينتج عن هذا الأسلوب سلبيات متعددة خاصة على المدى الطويل , منها:
تعظيم حالة الإحباط و اليأس لدى الجماهير المؤيدة؛ لانحسار آمالهم في التغيير عن طريق العمل السياسي في مجرد مشاغبات برلمانية لا تحقق الطموحات المتوقعة, و هذا بدوره يؤثر على قدرتهم النفسية على متابعة التأييد للإسلاميين بنفس المستوى .
إعطاء الفرصة لمن يتهم الإسلاميين بضآلة الحجم وارتفاع الصوت وجودة التنظيم ليثبت صحة كلامه, خاصة مع ضعف الوعي الجماهيري بحقائق الوضع السياسي .
تفريغ الغضب الجماهيري و الإسلامي في مسارات متعرجة تستنزف الطاقة، ولا توصل إلى الأهداف .
العامل الرابع: تتولد مع الأيام و التجارب لدى الجماهير قناعة ذاتية بأمرين متعارضين:
الأول: مصداقية الإسلاميين، و أحقيتهم باستلام الولاية عليهم .
الثاني: يقينهم بصعوبة أو بمجازفة اختيارهم للتيار الإسلامي لما يعلمون من نتائج تترتب على هذا الاختيار مثل:
عدم تمكنهم من قضاء مصالحهم الذاتية عن طريق النواب الإسلاميين لما يتعرضون له من تضييق، وتعسير لأعمالهم من قبل الحكومة العلمانية .
تخويفهم بإدخال البلاد في حالة من الفوضى مشابهة للوضع الجزائري في حالة أقدموا على اختيار الإسلاميين إذا شاركوا بصورة كاملة في الانتخابات النيابية .
شعورهم بعدم قدرة الإسلاميين على تحقيق إنجازات مستمرة، أو ذات بال حتى في حال استلامهم للحكم بصورة مؤقتة, و التجربة التركية ماثلة للأذهان, فحزب الرفاه رغم نجاحه في الوصول للسلطة واعتلائه منصب رئيس الوزراء لم يستطع تحقيق ما كان متوقعاً من إنجازات؛ نظراً للتضييق الشديد الذي تعرض له من قبل الجيش و الرئاسة و الأحزاب العلمانية, فماذا كانت النتيجة؟ انخفضت بشكل ملحوظ نسبة التأييد الجماهيري له في الانتخابات التالية .
و في ظل هذه الصورة القاتمة لابد من الحديث عن دور للحركة الإسلامية يتناسب مع طبيعة الصراع مع العلمانيين وتطوراته, هذا الدور المنتظر يحتاج إلى رؤية تجديدية يعاد فيها النظر في كثير من مفردات العمل الإسلامي، وهذا ما سيتم تناوله لاحقاً -إن شاء الله- .
المصدر مفكرة الإسلام