فهرس الكتاب

الصفحة 5841 من 27364

و في رحلة الدول الإسلامية من الإسلام إلى العلمانية تبدو ظاهرة للعيان ثلاث دول أو محطات تمثل خلاصة التجربة العلمانية سعيا نحو الجماهيرية, و هي على التوالي: تركيا - تونس - مصر , و الدولتان الأوليان تمثلان مراحل متقدمة حادة التوجه نحو العلمانية, لذا سيكون التركيز على التجربة المصرية باعتبارها تقود الركب العربي نحو العلمانية الكاملة . ولكن نعرض قبلا للموقف الجماهيري من العلمانية في تركيا، وتونس؛ لتكتمل الرؤية، و يتضح التصور.

التجربة التركية: توفرت للعلمانية في تركيا ظروف داخلية و خارجية - يصعب تكرارها حالياً - مكنتها من الوصول للعلمانية الكاملة في وقت قياسي, و نجحت سياسة أتاتورك في إخراج أجيال من الأتراك اتخذوا من العلمانية ديناً شاملًا , فالدستور التركي ينص على علمانية الدولة، وهذا النص يوافق عليه أغلب الأتراك, و في أحد استطلاعات الرأي عن أكثر الجهات الرسمية حيازة لثقة الشعب حصل الجيش التركي على نسبة لا تقل عن 70%, و معروف أن الجيش هو الحارس المتعصب للعلمانية في تركيا, كما أن تيارات الإسلام السياسي ممثلة في حزب الفضيلة كانت أكبر نسبة تحصل عليها في الانتخابات لا تتعدى 26% , جزء كبير من الناخبين يختار الحزب لنزاهة أعضائه، وأمانتهم و ليس لانتمائهم الإسلامي .

الخلاصة: أن التجربة التركية تمثل إثباتاً لإمكانية تحول الأغلبية إلى الدينونة بالعلمانية في مقابل الإسلام .

التجربة التونسية: رغم علمانية الدستور التونسي, إلا أن تونس تختلف عن تركيا في كونها لا تعلن رفضها لإضفاء أي مسحة دينية على الدولة, بل على العكس يحرص النظام على الاهتمام النسبي ببعض المناسبات الدينية, و تذاع صلاة الجمعة في القنوات الرسمية, و يوضع القرآن الكريم ضمن قائمة الهدايا الرسمية التي يقدمها رئيس الدولة للآخرين, و بخلاف التيارات الإسلامية المقهورة داخل السجون و خارجها, فلا يبدو على الشعب التونسي أنه مستاء من هذا الوضع لدرجة السعي لتغييره, خاصة مع الحديث عن ازدهار سياح و انتعاش اقتصادي في ظل النظام الحالي .

التجربة المصرية: هل الإسلام كمنهج شامل للحياة يمثل خياراً شعبياً في الوقت الراهن ؟

لن نستطيع تحديد موقف الجماهير من العلمانية قبل أن نقدم إجابة شافية على هذا السؤال, لذا فالإجابة عليه تحتاج إلى تأنٍ و تفصيل دقيق, فلا يصلح معها الإثبات أو النفي بإطلاق, فهناك اعتبارات متعددة تعطي نتائج متفاوتة حول مستوى التفاعل الشعبي مع الإسلام، ومن هذه الاعتبارات:

اعتبار التمسك بأحكام الإسلام و شرائعه و آدابه و أخلاقه: ولا جدال في أن الإسلام بهذا الاعتبار لا يعد خيارا شعبيا , إذ الغالب على الناس التهاون في أحكام الدين في معظم مجالات الحياة و هذا أمر لا يحتاج إلى إثبات ....

اعتبار طرح تطبيق الشريعة الإسلامية كمطلب أساسي للجماهير من حكامها: و الواقع يخبرنا أن شعار تطبيق الشريعة يطرح كشعار انتخابي دعائي ليس إلا, دون أن يكون هناك إلحاح واضح عليه، فضلاً عن الاستعداد للمناضلة من أجله, كما أن الجهل بأحكام الإسلام يجعل من الصعب على الجماهير التفرقة بين طبيعة القوانين العلمانية و الأحكام الإسلامية .

اعتبار التفاعل مع القضايا الإسلامية و مشاكل المسلمين في أنحاء العالم: ولا شك أن الفتور الشعبي العام الذي تواجه به قضايا المسلمين الساخنة مثل: أزمة الشيشان، وانتفاضة الأقصى يمثل دلالة واضحة على الابتعاد التدريجي للإسلام كمحرك رئيس لعواطف الجماهير ومشاعرها, و رغم ما يقال عن الضغوط الأمنية و الكبت العام, إلا أن المساحة المتبقية للحركة و التعبير تشكو من الفراغ و السكون, و هذا لا يعني صفرية التأييد الجماهيري للقضايا الإسلامية, و لكن هناك فرق بين إثبات الحالة و الحالة الثابتة.

اعتبار الانتماء العام الرسمي لدين الإسلام: و لا إنكار لجماهيرية هذا الاعتبار؛ إذ ليس وراءه إلا الكفر و العياذ بالله, و لكن عندما يدعي الإسلام كل إنسان دون اعتبار لفعله أو قوله, و عندما يدعي أشد العلمانيين حقداً على الإسلام أنه مسلم, و عندما يلبس أهل الضلالة على الناس أن ما هم عليه من الانحراف لا يتعارض مع دينهم, و عندما تصل الزندقة بهم أن يقولوا للناس: أن ترك منهج الإسلام هو من الإسلام, عندها هل يصبح إثباتاً كافياً على اختيار المنهج الإسلامي الشامل للحياة أن يقول إنسان أنه مسلم ؟

اعتبار حجم التأييد التصويتي في الانتخابات النيابية و النقابية: والقول بأن ذهاب أناس لا تزيد نسبتهم عن خمس من لهم حق التصويت - جزء كبير منهم من أتباع الحركة الإسلامية - لوضع ورقة مكتوب فيها أسماء مرشحين من التيار الإسلامي في صندوق مقفل كل ثلاث أو أربع أو خمس سنوات , القول بأن ذلك يعني تأييداً جارفاَ من الشعب للمنهج الإسلامي قول لا نشك في مبالغته, نعم قد يمثل ذلك دلالة على التعاطف العام مع الإسلام من قبل فئات من الشعب, إلا أن هذا التعاطف يتسم بالضعف في جانبين:

الأول: اقتصاره على نسبة محدودة من عموم الشعب, بينما يشوب الغموض موقف الأغلبية السلبية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت