فهرس الكتاب

الصفحة 26333 من 27364

كان اجتماع مؤامرة حقودة على المسلمين [نموذج مصغر من مؤامرة دول العالم على شعب البوسنة المسلم] ولكنها كانت في سمرقند ، وكان الكهنة يتحدثون بحقد عن المسلمين و دينهم ، وكيف أنهم دخلوا سمرقند فملكوها ، وكانت في جعبة الكهنة خُطَّةُ فتنةٍ خبيثةٍ ولكنهم قرروا إطلاق سهم أخير من جعبتهم ، واختاروا زائرهم الأخير ليكون رسولهم إلى عاصمة الخلافة ؛ فقد سمعوا أن فيها حاكماً عادلاً ملأ عدله الأرض ؛ فوكلوا صاحبهم بحمل الرسالة ؛ خاصة و أنه يتقن العربية ، ومضى الرجل في ديار المسلمين فإذا كل حاضرة من حوا ضرهم أعظم من الأخرى فتمتلئ نفسه خوفاً من لقاء خليفةٍ هو حاكمُ تلك الأقطار العظيمة ، ثم وصل دمشق (سيدة التاريخ وأمل المستقبل ) فخفق قلبه و تصور صعوبة لقاء الخليفة و تحسس رقبته فقد خشي أن يتصرف بطريقة يكون ثمنها رأسه! تذكر الأكاسرة و القياصرةَ و الجبابرةَ و الفراعنةَ ، ثم ذهل ؛ فكيف يقابل خليفةً كلُّ مُلكِ الشاهنشاه الذي كانوا يعظمونه وتخشى بأسه الشعوب لا يبلغ قدر ولاية صغيرة من ولاياته ؛ واضطرب فؤاده بين الخوف على النفس و الخوف من اندثار عقيدة آلهة المعبد الوثني المرعبة ، وتذكر بلاده و الكهنة فتشجع و كلما رأى قصراً خفق قلبه وظنَّ أنه قصر الخليفة ؛ ثم وجد نفسه فجأة مقابل قصرٍ عظيم ما رأى و لا سمع عن مثله ، وكاد يخر على الأرض لذهوله إلا أنه تشجع لما رأى الناس يدخلون ويخرجون فلا يسألهم أحد إلى أين ، وإذا بصحن واسع عظيم أرضه من رخام يلمع كالمرايا بالكاد يرى مَنْ في أوله مَنْ في آخره ، وعلى الأطراف أعمدةٌ شامخةٌ و أقواسٌ مرتفعةٌ وفي المنتصف بركة ماء يتدفق منها الماء عذباً زلالاً ، وإذا بصوت حان جميل كأنه من أنفاس الجنان لا من حناجر أهل الأرض يرتفع مردداً: (الله أكبر الله أكبر ... أشهد أن لا إله إلا الله ؛ أشهد أن لا إله إلا الله ؛ أشهد أن محمداً رسول الله .. ) فإذا بالكل كأن على رؤوسهم الطير .

ما كان ذلك الرجل يعلم أن نبي الأمة صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليَّ ، فإنه من صلَّى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشرا ؛ ثم سلوا الله لي الوسيلة [ ومحل ذلك إنما يكون بعد الأذان لا عند إقامة الصلاة ] فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله و أرجو أن أكون أنا هو ؛ فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة ) (5) و تلفت الرجل فإذا بنظام عجيب وإذا بالآلاف يصطفون مثل كتائب جيش كثيف و إذا برجل يتقدمهم فتكون منهم طاعةٌ مدهشةٌ و انضباط عظيم ؛ ثم انفض الجمع و تشجع الرجل فسأل عن الخليفة فقالوا: هو الذي صلى بالناس ؛ أما صليت معنا؟ قال: وما الصلاة؟ فقالوا له: عبادة وطاعة ، والتزام ونظام وترك للفحشاء والمنكر وفضيلة و طهارة ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر) (6) ؛ ألست بمسلم؟ قال باضطراب شديد: لا ، وهو يظن أنه سيلقى وحوشاً مثل وحش الصرب ينهالون عليه بالسواطير ؛ فقالوا له باسمين: هداك الله وما دينك ؛ فتلعثم الرجل ، وظنهم سيقتلونه لكنهم شجعوه فقال: أنا على دين كهنة سمرقند ؛ قالوا وما دينهم؟ قال لا أدري ؛ يسجدون للنار! فقالوا له: ومن ربكم؟ قال: أصنام المعبد المخيفة! قالوا: إنَّ نبينا بُعث رحمة للعالمين وقال الله له: ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) (7) ، وعسى أن يرزقك الله وقومك الهداية! قال: وما الله؟ فقالوا له: ( ربِّ السماواتِ و الأرضِ و ما بينَهما إن كنتم موقنين * لا إله إلا هو يحى و يميتُ ربكم و ربُّ آبائكم الأولين ) (8) ( وهو الذي في السماء إله و في الأرض إله وهو الحكيم العليم * وتبارك الذي له ملك السماوات و الأرض وما بينهما و عنده علم الساعة و إليه ترجعون ) (9) ؛ ثم قاموا عنه وقد دلوه إلى الباب الذي يصل به إلى الخليفة .. فظنَّ أنه سيدخل قصراً آخر أعظم وأفخم ؛ فإذا بيتٌ متواضع وامرأة تعجن فلحقهم وقال أتكذبون علي؟ أسألكم عن قصر الخليفة فتدلوني على بيتِ فقيرٍ يُصلح داره بيده و امرأته تعجن ؛ قالوا له: ذاك خليفتنا!!

ولم يصدق الرجل أذنيه ؛ وقال: إني غريب ناشدتكم بما تؤمنون أن تدلوني ؛ فقالوا: حاشا لله أن نكذب عليك ؛ إن الكذب في ديننا كبيرة من الكبائر و نبينا صلى الله عليه وآله وسلم يقول لنا أن المؤمن لا يكون كاذباً أبداً (10) ، و جعل الرجل يفرك رأسه بيديه أهذا حلم أم واقع ، تعب الطريق و عناء المهمة أم الحقيقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت