و يبدوا أن هذه الدعوة ستتخذ ذريعة للقضاء على أهل السنة في العراق على أيدي خونة الكرد ، و منافقي الروافض الذين لم يعرف له عبر التاريخ موقف مشرف يتصدون فيه لمعتدٍ ، أو يدفعون فيه عدوَّاً ، و لذلك لم يفاجأ أحدٌ بوقفتهم الصلبة خلف ( و لا أقول إلى جانب ) غزاة الصليبيين المعاصرين ، و تسليمهم ديارهم و أموالهم و سلاحهم بلا مقابل سوى استئصال شأفة البقية الباقية من القلة المستضعفة ( على يد صدام و من قبله و من بعده ) من أهل السنَّة و الجماعة .
هذه رؤيتي للحدث ، و أنا أرى المحتلين و أذنابهم و حرَّاسهم لا يدعون نهجاً و لا وسيلة يذلون بها العرب و المسلمين إلا بالغوا فيها ، معتزين بباطل لو سمح لأهل الحق بمجابهته وجهاً لوجه لما صمد ساعةً من نهار .
و من مظاهر الإذلال الممعن للعرب و المسلمين على سواء ما واكب اعتقال الطاغية صدام من تصريحات و تقارير مصورة و غير مصورة ، ابتداءً بتصوير جحره ( مع أن الاختفاء فيه أشرف و أكرم بكثير من الارتماء في أحضان الأعداء ) و انتهاءً بتصريحهم بما يريدون به ، و مروراً بعرض صوره و هو يعرض على الطبيب كبقرة هولندية في إصطبل هارٍ .
و أعجب منهم أهل الشماتة و التشفي ، المستجيرون من الرمضاء بالنار ، إذ أنساهم ماضيهم المظلم ظلمات الحاضر و المستقبل تحت سلطة المحتل و سياطه .
و مع ما قد يبرر فرح القوم و ابتهاجهم بسقوط طاغية ظالم ، نقف عاجزين عن تبرير الارتماء القوم في أحضان الأعداء الذين كان لهم - من قبل - دور أساسيٌّ في إيصال صدام إلى السلطة ، و حمايته ، و تبرير جرائمه و مواقفه و كثيرٍ من حروبه ، و - ربَّما - التورُّط في استدراجه إلى بعضها ، قبل أن ينقلب السحر على الساحر ، و يسقيهم من الكأس التي أرادوها له .
و لهذه الأسباب و أسبابٍ أخَر - يسَّر الله بيانها أو تعدادها لاحقاً - ينبغي لنا أن نكف ألسنتنا عن التشفي و الشماتة بسقوط الظالم على النحو الذي بلغنا أو غيرِه ، و نسأل الله أن يختم لنا و له بالحسنى ، و أن يردنا إليه تائبين نادمين ، بما اقترفت أيدينا مقرين ، و على سوء أفعالنا نادمين ، قبل أن لا ينفع درهمٌ و لا دينار إلا من أتى الله بقلب سليم .
و إن كان ما رأيناه مصيرَ من عُرِف بتجبره و ظلمه ، فإننا نستعيذ بالله تعالى من أن يأتي علينا زمان نرى فيه أياً من رموز الأمة الصادقين ، و من كان من أبنائها من المجاهدين العاملين ، فريسة في أيدي أعداء الدين ، و نسأله أن يختم لأوليائه بإحدى الحسنيين ، و أن لا يشمت فيهم أحداً من العالمين ، إنه على ذلك قدير ، و بالإجابة جدير ، فنعم المولى و نعم النصير .
و يحسن بنا في مثل هذا المقام تمثل مقولة الفضيل بن عياض رحمه الله:
( ارحموا عزيز قومٍ ذلَّ ، و غنياً افتقر ، و عالماً بين جُهَّالٍ )
و الله المستعان ، و لا حول و لا قوة إلا بالله العليِّ العظيم .
وكتب
د . أحمد بن عبد الكريم نجيب