فهرس الكتاب

الصفحة 26043 من 27364

فقد قال الله عز وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَ لَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَ الأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَ إِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) [ النساء: 135 ] .

و في الصحيحين عن أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: ( ألا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ) ثَلاثًا . قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ! قَالَ: ( الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، وَ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ) ، وَ جَلَسَ وَ كَانَ مُتَّكِئًا ، فَقَالَ: ( ألا وَ قَوْلُ الزُّورِ ) قَالَ أبو بكرةَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ .

فمن أمكنه الإفلات من قول الزور في الإعلام ، و العمل به عند الساسةِ و الحكَّام ، شهد بحقٍ أنَّ للرجل توبته إن صدق فيها - و نرجو أن يكون صادقاً - و لم يتألَّ على الله أن يقبلها إن صدرت منه بشَرْطِها ، و له على ذلك ما رواه الإمام مسلم في الصحيح بإسناده عَنْ جُنْدَب البَجَليّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ حَدَّثَ: ( أَنَّ رَجُلاً قَالَ: وَ اللهِ لاَ يَغْفِرُ اللهُ لِفُلاَنٍ ، وَ إِنَّ اللهَ تَعَالَىَ قَالَ: مَنْ ذَا الْذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لاَ أَغْفِرَ لِفُلاَنٍ ، فَإِنَّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلاَنٍ ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ ) .

و إن أبى قصار النظر شرعاً و عقلاً إلا أن يدينوا مخالفيهم بتهمة الدفاع عن صدام ، فليس لنا في رد الهوى سبيل ، سوى أن نؤكد على أن الحكم بتوبة المرء من الكفر لا يلزم منه تبرئته مما جنته يداه في حقوق العباد ، إذ لم تثبت توبته من ذلك ، لتخلف شرطها الرابع ؛ و هو رد المظالم إلى أهلها ، و استحلالهم قبل أن لا يكون درهم و لا دينار ، إلا الجنة أو النار ، و لم نعرف عن صدَّام شيئاً من هذا القبيل ، من طريق يمكن التثبت منه ، و يصلح للحكم بلازمه .

و حذار ! حذار ! من أن يتخذ هذا تبرئة لساحة الحاكم الظالم من إسرافٍ في جنب الله ، فنحن لا نمجد طاغوتاً ، و لا نثني على ظالم ، و لا نبايع أنصاف الرجال و أرباعهم أوصياء على خير أمة أخرجت للناس ، و لا نضرب بسيف تُضرَبُ به أعناق المسلمين ، مع كائنٍ من كان .

أما فيما يتعلق بما يجري في العراق من جهاد و إعداد و استعداد لدفع العدو الصائل على الأرض و الأهل و الحُرُمات ، فلم نسمع من عاقل ، و لم يبلُغنا عن ثقة أن صدام يقف وراءه ( فضلاً عن أن يقوده بنفسه ) أو يكون له فيه رأي سديد ، أو إمداد أو إعداد ، و هذا أمر توافق عليه العدو و الصديق ، و أجمع عليه كل من يتابع الأحداث في العراق و يتفحص ضربات المجاهدين التي تقصم ظهور المحتلين ، و تخلخل صفوف العملاء و المنافقين .

و إذا سُلِّمَ جدلاً أن لصدام يدٌ فيما يقوم به المجاهدون من قبيل الدعم المادي ، أو التخلية بينهم و بين عدوِّهم مع قدرته على منعهم ( على فَرَضِهَا ) فهذا أمرٌ يشرِّفه و لا يشرف الجهاد و لا أهله ، و ينبغي للعقلاء أن يكفوا عن نسبة المجاهدين للشرق تارة و للغرب تارة لمجرد التقائهم مع هؤلاء في التصدي لعدوٍّ مشترَك .

و مع ما نذهب إليه مما تقدم بيانه ، فقد وقفنا على كثير من الآراء المخالفة ، و التي تناقض ما قلناه بالكامل ، و تسعى لنقضه من أساسه ، و لا يمنعنا ذلك من استيعاب المخالف ، و قبول رأيه ما دام عن حجة و دليل ، لا يتخلله هوىً و لا تضليل ، فإن العاقل من وسع غيره ، و الموفق من كان سماعه أكثر من مقاله .

غير أن ما يسوؤنا و يسوء كل حرٍّ ، كريم النفس ، عزيز الطبع أن تنساق العامَّة وراء من يبرر باطلاً بباطل ، و منكراً بمنكر ، كما فعل أذناب الغرب بتسليم بلادهم للغزاة انتقاماً من الجناة ، و قبولهم للاحتلال حنقاً و غيظاً مما اقترفته أيدي الحكام من أعمال قتل و تنكيل و اعتقال ، و كأن بطش العدو البعيد بلسم ، و مثله من القريب علقَم .

و هذه موازنة يردها العقل و الفطرة و الشرع على سواء ، فما فتئ البشر ( كما في كوبا ، و صربيا ، و غيرهما ) يصبرون على ضيم القريب ، خوفاً من تسلط عدوٍّ غريب ، حتى شهدنا ما شهدناه في العراق من انقلاب الموازين ، حيث أصبح للباطل دولة ، و للخائن سلطان .

و أصبح يُنظر إلى صدام الطاغية على أنه ممثل أهل السنَّة ( و ربما بقيتهم ) في العراق ، و حُمِّلوا ( زوراً و بهتاناً ) جريرة جرائمه التي اقترفها حيناً من الدهر لم يكن له فيه دين و لا ذمَّةٌ و لا خلاق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت