في أثناء حصار الصليبيين لعكا صنعوا ثلاثة أبراج من الخشب عالية جداً طول كل برج منها خمس طبقات بحيث أصبحت هذه الأبراج أعلى من سور المدينة وكل طبقة مملوءة بالجنود ووضعوا على الأبراج الجلود والخل والطين والأدوية التي تمنع النار من إحراقها، وانتدب المسلمون لحرقها فلم يفلحوا، ولكن ظهر شاب مسلم اسمه' علي بن عريف النحاسين' والتزم بحرقها فأخذ النفط الأبيض وخلطه بأدوية يعرفها وغلى ذلك في ثلاثة قدور من نحاس حتى صار ناراً تأجج ورمي كل برج منها بقدر من القدور فاحترقت الأبراج الثلاثة واحترق الجنود معها وكبر المسلمون تكبيرة هائلة، ثم أمر صلاح الدين بأموال كثيرة للشاب المسلم فقال وقد ضرب صورة مشرفة للمسلم المخلص 'إنما عملت ذلك ابتغاء وجه الله ورجاء ما عنده - سبحانه - فلا أريد منكم جزاء ولا شكوراً' وأبى أن يأخذ درهماً واحداً وواكب ذلك وصول الأسطول المصري بقيادة حسام الدين لؤلؤ واستطاع الأسطول المسلم أن يأخذ شحنة مؤن وسلاح عظيمة كانت متوجهة للصليبيين فأخذها المسلمون وأدخلوها المدينة وتقوى بها أهل المدينة جداً أثناء حصارهم، وعندها أرسل الصليبيون لطلب النجدة من ملوك أوروبا.
عندها بدأ ملوك أوروبا في التوافد على بلاد المسلمين فكان أول من خرج ملك الألمان'فريدريك بربروس' وقد خرج في جحافل هائلة يقدر تعدادها ثلاثمائة ألف مقاتل وفي نيته خراب البلد وقتل أهلها من المسلمين والانتصار لبيت المقدس وأن يحوز البلاد كلها فانظر كيف كانت عاقبة الظالمين!
سار هذا اللعين عبر بلاد القسطنطينية فأرسل ملك الروم لصلاح الدين يخبره بالأمر وأنه أي ملك الروم مغلوب على أمره لا يستطيع أن يرده لكثرة جيوشه، ثم دخل بلاد المسلمين فبرز لهم التركمان وقاتلوهم وخطفوا من رجالهم وسرقوا أموالهم وكان الجو شديد البرودة فأهلكهم الجوع والبرد حتى قلت أعدادهم جداً حتى اجتاز هذا اللعين نهرا ًشديد الجريان فدعته نفسه أن يسبح فيه فلما نزل فيه حمله الماء السريع حتى صدمه بشجرة فلقت رأسه فغرق مكانه في منطقة لا يبلغ الماء وسط الرجل، وهكذا نهاية كل طاغية جبار ثم عينوا ولده من بعده ومازال عددهم وسلاحهم ومالهم يقل حتى وصلوا إلى أنطاكية وقد أصبح عددهم أربعين ألفاً فضجر منهم صاحب أنطاكية وحسن لهم السير إلى عكا فوقع فيهم البلاء والوباء فما وصلوا إلى عكا إلا في أقل من ألف رجل كأنهم قد نبشوا من القبور وكان هذ1 اللعين قد استصحب معه آلات حربية خطيرة لم يسمع بها من قبل فأذهب الله - عز وجل - كيده وشره وكفره.
وعندما وصل ابن ملك الألمان لعكا أراد أن يحقق بعض المجد الزائف والهدف المنشود فقاد الصليبيين واصطدم مع المسلمين وذلك في 20 جمادى الآخرة سنة 586 هـ ولكن الله - عز وجل - نصر المسلمين وأوقعوا آلاف القتلى في الصليبيين حتى أنه قد قتل من الظهر إلى العصر عشرة آلاف صليبي حتى كسوا وجه الأرض منهم حللاً أزهى من الرياض الباسمة وأحب إلى النفوس من الخدود الناعمة، في حين قتل من جيش المسلمين عشرة فقط! حتى كاد الفرنج أن يستسلموا بالكلية.
في هذا الأثناء جاءت إمدادات كبيرة للصليبيين من ملوك أوروبا بقيادة الأمير 'هاري' فقويت نفوس الصليبيين وبشرهم 'هاري' بقدوم ملوك أوروبا ومعهم الأموال والسلاح والعتاد ووصل كتاب من 'بابا روما' وهو كبير الصليبيين يأمرهم بملازمة الحصار والقتال وأنه قد أرسل لهم المزيد من الأموال والسلاح، فشددوا الحصار جداً على أهل عكا و كان والي عكا من جهة صلاح الدين هو الأمير بهاء الدين قراقوش فأرسل في 10 شعبان 586 هـ يخبر صلاح الدين بقرب نفاذ المؤن في المدينة، فأرسل صلاح الدين للأسطول المصري بإرسال ثلاث سفن مؤن لعكا فلما حاولت السفن الدخول تصدى لها الأسطول الصليبي ولكن الله - عز وجل - سلم ونجت السفن من العدو ودخلت المدينة وتقوى بها أهل المدينة، وكان صلاح الدين قد لجأ لحيلة ذكية لدخول سفينة كبيرة مملوءة بالمؤن لعكا حيث أمر بحارة السفينة أن يبلسوا ملابس التجار الفرنج ويحلقوا لحاهم وشدوا الزنانير وأخذوا معهم في السفينة بعض الخنازير ودخلوا المدينة من وسط الأسطول الصليبي وهم يظنون أنهم نصارى مثلهم فلم يتعرضوا لتلك السفينة حتى دخلت المدينة وتقوى بها المسلمون، ومن الأمور العجيبة والمؤثرة أنه أثناء الحصار كان صلاح الدين يرسل برسائله والأموال مع أحد المسلمين العوامين واسمه 'عيسى العوام' وكان مسلماً وكان عيسى يسبح عبر بحر عكا وهو حاملاً للمال والرسائل وفي ذات يوم رآه أحد الصليبيين فرماه بسهم فقتله وتغيب العوام على أهل عكا فشكوا فيه أنه قد طمع في الأموال وفي الليلة التالية وفي نفس المكان المتفق عليه وجدوا جثة العوام في مكانه ومعه الرسائل والأموال مربوطة حول وسطه لم يفقد منها شئ فمثل هذا الذي حفظ الله له ميعاده حياً وميتاً.