من الأمور العجيبة والتي ساعدت على تفاقم الأمر حتى سقطت عكا في النهاية أنه في ظل هذه الملحمة الهائلة لصمود المسلمين في الشام ومصر، كان باقي المسلمين في واد آخر وقام ملوك المسلمين بالإغارة بعضهم على بعض والاقتتال فيما بينهم، فتقاتل غياث الدين الغوري مع سلطان شاه وذلك على بلاد خراسان، وتقاتلت جنود الخليفة مع أهل مدينة حديث عانة، وتقاتل عز الدين مسعود صاحب الموصل مع سنجر شاه على بلاد الجزيرة وهكذا صار المسلمون بأسهم بينهم شديد بدلاً من أن يوحدوا رايتهم أمام عدوهم، حتى أن الناصر صلاح الدين كتب إلى أمير الموحدين في الأندلس والمغرب 'يعقوب بن يوسف' يطلب منه معونة المسلمين بأسطوله القوى ولكن يعقوب رفض ولماذا؟ لأن صلاح الدين لم يخاطبه بلقب أمير المؤمنين إنما قال له أمير المسلمين! وهي قصة تتكرر في كل زمان ومكان والله - عز وجل - العاصم من الزلل وسوء العمل.
مرت باقي سنة 586 هـ وقد وقع في آخرها أوبئة وأمراض وغلاء وقلة ثمار مما جعل الأمر عسيراً على الفريقين، وفي مطلع سنة 587 هـ قدم ملك انجلترا 'ريتشارد قلب الأسد' وملك فرنسا 'فليب أوغسطس' في إمدادات عظيمة للفرنج وفي 1 ربيع الأول سنة 587 هـ خرج المسلمون من عكا واصطدموا مع الصليبيين وخرج في نفس الوقت بعض فيالق الجيش المسلم مع التركمان وحقق المسلمون إنتصاراً عظيماً ولكن وصول ملك إنجلترا وفرنسا أدار دفة القتال لصالح الصليبيين، وبدأوا في تشديد الحصار على المسلمين جداً وأحكم الأسطول الإنجليزي حصاره على الميناء فمنع دخول أي شئ والعجيب أثناء الحصار أصيب ملك فرنسا واشتد الجوع عليهم حتى أرسل ملك انجلترا وهو مريض لصلاح الدين يقول له أنه عنده جوارح قد جاء بها من البحر بنية إرسالها إليه ولكنها ضعفت وهو يطلب دجاجاً وفاكهة لتتقوى بها الجوارح، فعلم صلاح الدين أنه يطلب الطعام والفاكهة لنفسه فأرسل صلاح الدين له الكثير من الطعام والفاكهة والثلج فلما شبع اللعين وملأ بطنه ازداد طغياناً وعاد شراً مما كان...فياعجباً من طيبة المسلمين!
حاول الناصر صلاح الدين إمداد أهل عكا ببعض الإمدادات فجهز سفينة كبيرة وشحنها بالأبطال والعتاد ووجهها إلى عكا ولكن الأسطول الإنجليزي يحاصر تلك السفينة وتشتبك هذه السفينة بمفردها مع الأسطول الصليبي كله ولما آيس قائد السفينة من الخروج من القتال نزل إلى بطن السفينة وخرقها لتغرق حتى لا ينال الصليبيون ما فيها من العتاد والذخائر فغرقت بمن فيها وعظمت المصيبة على المسلمين، واشتد الحصار على أهل عكا وهدم الفرنج من السور ودخلوا المدينة لكن أهلها صدوا هذا الهجوم بصدورهم ونحورهم وقتلوا من رؤوسهم ستة أنفس فاشتد ضيق الصليبيين على المسلمين جداً بسبب ذلك وحاول أمير عكا 'أحمد بن المشطوب' طلب الصلح من ملك فرنسا، ولكن ملك فرنسا رفض وأغلظ له ابن المشطوب القول ثم عاد للمدينة وأبلغ صلاح الدين صورة ما وقع فأرسل إليهم الناصر يطلب منهم سرعة الخروج من المدينة وحدد له موعداً لذلك في نفس الليلة فتشاغل الناس بجمع الأمتعة والأسلحة وتأخروا عن الخروج تلك الليلة فلما أصبحوا وجدوا الصليبيين قد شددوا الحصار على الميناء وبالغوا في ذلك والسر وراء ذلك أن مملوكين حقيرين كانا عند أهل عكا أسيرين سمعا بما قاله الناصر فذهبا مسرعين لقومهما من الصليبيين وأخبروهم بذلك، وعندها حاول الناصر كبس العدو في تلك الليلة ولكن الجيوش كانت متعبة من كثرة القتال والحصار ونفاذ المؤن.
عندما وجد صلاح الدين إشتداد الحصار وضعف الجيوش أرسل إلى الصليبيين يطلب منهم الأمان لأهل البلد ويبذل لهم عدتهم من الأسارى ويزيدهم صليب الصلبوت فرفضوا حتى يطلق جميع الأسارى وجميع البلاد الساحلية وبيت المقدس فرفض صلاح الدين وترددت المراسلات في ذلك والحصار يتزايد كل يوم على أهل عكا وصبروا صبراً عظيماً ثم كتبوا للناصر قائلين: 'يا مولانا لا تخضع لهؤلاء الملاعين الذين قد أبوا عليك الإجابة إلى ما دعوتهم فينا فإنا قد بايعنا الله على الجهاد حتى نقتل عن آخرنا وبالله المستعان'.
وفي يوم الجمعة 17 جمادى الآخرة سنة 587 هـ على حين غرة رفعت الأعلام الصليبية على أبراج المدينة وصلبانهم وصاح الصليبيون صيحة واحدة ودخلوا المدينة وانحصر كلام الناس في 'إنا لله وإنا لله راجعون' وارتكب الصليبيون مجزرة هائلة وسبيت النساء والأطفال ثم قاموا بجمع ثلاث آلاف أسير وقيدوهم بالحبال فأوقفوهم بعد العصر وحملوا عليهم حملة رجل واحد فقتلوهم جميعاً عن آخرهم في صعيد واحد فرحمهم الله جميعاً.
ولقد كان مدة إقامة صلاح الدين على عكا صابراً مصابراً مرابطاً مدة سبعة وثلاثين شهراً وجملة من قتل من الفرنج خمسين ألفاً، وكانت فصول هذه الملحمة كثيرة اختصرناها خشية الملل والانقطاع وإلا فكتب التاريخ أفاضت في وصف تلك الملحمة الخالدة.