فهرس الكتاب

الصفحة 3645 من 27364

كما أن شبابا آخرين في دراسة أخرى أصبحوا يدمنون المخدرات هربا من واقعهم بالمقارنة مع الواقع الأمريكي الذي يشاهدونه. ومن نتائج دراسة أخرى تمت على أطفال في أستراليا أن هؤلاء الأطفال أصبحوا أكثر عدوانية وميلا إلى العنف في معاملاتهم, ويرون العالم رؤية تجعله مليئا بالعنف والجريمة من كثرة مشاهدتهم لمواد التلفزة الأمريكية. وهذه النتائج تبين أن هذا التأثير يؤدي إلى فقدان الانتماء. وإلى أزمة أخلاقية وإلى غربة ثقافية, كما يؤدي إلى وجود فئة من النخبة تعيش منقطعة الجذور وتزعم أنها قيادة فكرية, كما تبقى أخرى ذات ثقافة شعبية غريبة عن عصرها وعاجزة عن تجديد ثقافتها وتوسيع أفقها أخلاقيا ودينيا, الأمر الذي يفجر صراعا اجتماعيا, يعوق المجتمع عن التخلص من التخلف, فعقول بعض المثقفين لا تعترف إلا بالنمط الغربي في الحياة والفكر, وعقول آخرين لا تعترف إلا بالتقاليد التي ربما فاتها الزمن, ولم تعد صالحة لعصرنا هذا, وينتج عن ذلك, أزمة نفسية أخلاقية وعدم استقرارنفسي, ويولد ذلك كله صراعا مريرا داخل المجتمع الواحد.

ولا شك في أن الثفافة القوية في وسائلها ومضامينها تغير المواقف وتشكل رأيا عاما جديدا, وتقوم أحيانا على تزوير الحقائق, وينتج عن ذلك تغييرات عميقة في البنى الاجتماعية وقيمها والتمرد عليها, وتبني ثقافة الاستهلاك للأشياء والأفكار والقيم.

ويؤخذ على العولمة وعلى هذا الذي يدعونه بالنظام العالمي الجديد أنه يخلو من أي منهج أخلاقي, ولذلك لجأ الفرنسيون إلى وضع الثقافة في خانة الاستثناء, لأنهم تنبهوا إلى أن قوة الإنتاج الثقافي الأمريكي تؤدي إلى التغيير التدريجي في معايير السلوك وأنماط الحياة, بالإضالة إلى ذلك, فإن الحداثة الغربية أخفقت في مجال القيم الأخلاقية التي بنيت على المنفعة, أو على مجرد الرغبة أو مجرد العقل, وأبعدت القيم الأخلاقية عن العلم وعن الدين, وبذلك أصبحت العولمة في انفلات عن قيم تحكمها وعن ضوابط إنسانية تحدد سلوكها, ولذلك فإننا نرى فلاسفة الغرب, ممن يسمون بفلاسفة ما بعد الحداثة, يهاجمون العقل الذي تصورته الحداثة أنه هو الحل السحري لمشاكل الإنسان, وأن العلم هو مفتاح السعادة, وإن انقطع عن القيم, وانفلت منها, ويعتبر هذا الانفلات من القيم الأخلاقية والدينية عندهم تحررا, فطالبوا بحرية الجنسية المثلية وغيرها من الموبقات.

ومما جاء في التقرير العالمي الخاص بالصحة النفسية Wo r ld Mental r epo r t إن الدراسة المعمقة لمشاكل الصحة النفسية التي أشار إليها مؤلفوا هذا التقرير تبين أن المشاكل الاجتماعية والاضطرابات النفسية هي مشاكل كونية, ونسبة كبيرة منها لا تنجو من تأثير سياق العولمة المعقد, لأن وسائل الاتصال الراهنة بقوتها تهدم المرجعيات الثقافية العريقة التي عاشت عليها المجتمعات البشرية وتقوض كثيرا من أسسها, لأن منطق العولمة منطق الربح والمال, والنجاح في الأسواق كلها, أسواق الاقتصاد, وأسواق الثقافة أيضا.

إن العلماء اليوم يجب أن يطرحوا مسائل ذات صبغة أخلاقية وخاصة في مجال البيولوجيا والهندسة الوراثية, حيث نشهد تطورا سريعا سواء في مجال العلم النظري أو البحث الأساسي في مجال البحث التطبيقي, فمنذ أربعين عاما تقريبا كان أغلب الباحثين من العلماء يعتبرون القيم مسألة لا تعنيهم, وأصبح العلماء اليوم لا يستطيعون أن يتجنبوا البحث فيما يتعلق بنتائج أعمالهم العملية, فيجب إذن الاعتراف بضرورة أن تحد سلطة التكنولوجيا بسلطة الأخلاق, كما صرح بذلك المدير العام السابق لليونسكو F r d r ik Mayo r , وكما قال الكاتب الفرنسي r abelai: ( العلم بلا ضمير ليس إلا خراب النفس ) (Science sans conscience n 'est que r uine de I 'ame ) إن الباحثين الأمريكان يتساءلون عن نوع الإنسان الذي يريدون إنتاجه, وأدت البحوث المتقدمة في البيولوجيا إلى محاولات التحكم الفيزيقي في العقل البشري, وإلى محاولة التغيير الأساسي بشروط بداية وجود الإنسان ونهايته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت