فهرس الكتاب
وإذا كانت بداية الاستنساخ كانت في الفئران في هواي Hawai وفي الخرفان بنيوزلندا واليابان, وفي المعز في الولايات المتحدة وكندا, فإن مجلة محترمة جدية علميا وهي المجلة البريطانية The Lancet كتبت في سنة 1998م أنه بات من الضروري صنع كائنات بشرية عن طريق الاستنساخ, ودعت الأوساط الطبية إلى قبول ذلك, وقام Paulin Jose أحد الكبار المهتمين بدراسة المخ البشري يقول: ( ليست المشكلة الفلسفية الرئيسية اليوم هي: ما هو الإنسان؟ ولكن ما هو نوع الإنسان الذي يجب علينا إنتاجه؟.) فأين كرامة الإنسان؟ وأين الشعور بالأخطار التي يمكن أن تحدث للجنس البشري, والمفاجئات التي يمكن أن تؤدي إلى إنتاج أناس لا عهد للإنسانية بهم في التاريخ, مما ينحرف بالطبيعة البشرية إلى كائنات أخطر ما تكون, وأكثر ما تكون خروجا عن سمات هذا الكائن الذي نعرفه, وهو الإنسان ذو الطابع الأخلاقي الفطري, وذو الكرامة التي منحه الله سبحانه وتعالى إياها في وجوده وفطرته الأخلاقية باعتباره غاية في ذاته لا أنه شئ, من الأشياء, أو وسيلة إلى غيره يمكن أن يتلاعب بها اللاعبون في مجال البيولوجيا أو العلم المنفلت من أي معيار أخلاقي أو قانوني أو ديني.
لا شك أن ابن خلدون قد تفطن لأهمية القيم الخلقية في حياة الإنسان ولذلك قال: (إذا فسد الإنسان في قدرته على أخلاقه ودينه فقد فسدت إنسانيته وصار مسخا على الحقيقة) .
ويتوقع من العولمة إذا تمكنت في سلطانها أن تمسخ الإنسانية, وأن تقولبها في نمط ثقافي يفقد ما في الحضارات الإنسانية وقيمها من غنى وتنوع, ونحن نشاهد كيف يشجع الغرب الذين يتحدون المسلمين في عقائدهم مثلما فعلوا مع نسرين البنجلاديشية التي تدعو إلى تغيير القرآن وتصف الدين بأنه ظلامي, وكذلك سلمان رشدي, الذي هاجم القرآن ومقدسات الإسلام علنا, فمن حق المسلمين أن تحترم عقائدهم كما تحترم عقائد غيرهم. إن النظم الأخلاقية والديانات تقع تحت تأثير العولمة اليوم فتقود إلى ضعف البنى الاجتماعية والأسرية فيصيبها الاضطراب والتفكك. إن جماعة من المفكرين في ماليزيا عارضوا القيم الغربية, ونظروا إلى القيم الآسيوية على أنها بديل بهذه القيم الغربية, ومن هؤلاء إبراهيم أنور ومظفر شندرا, كما يمكن للأفارقة أن ينادوا بقيم أخرى لهم معارضة للعولمة الغربية, وقد حاول ذلك بولان هونتوندجي Paulin Houtondji في مقال له يدعو فيه إلى مقاومة العولمة الثانية, ومن قبله فرانس فانون 1925-1960م الذي دعا إلى تصفية الثقافة الزنجية وغيرها من آثار الاستعمار, وهو يعتبر من النخبة الإفريقية الآسيوية. إن الظلم الاقتصادي في العالم وراء كثير من التوترات التي تعاني منها الإنسانية, وإذا كان عدد سكان البلدان النامية حوالي (4.5 مليار) فإن الثلث منها على الأقل لا يحصل على المياه الصالحة للشرب, والخمس (5/1) من الأطفال لا يتمتع بالسعرات الحرارية الكافية ولا بالبروتينات الضرورية, بل إن مليارين من البشر أي ثلث (3/1) الإنسانية يعاني من فقر الدم, ويمكن القول بأن ما تستهلكه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من الروائح والعطور, يكفي لسد حاجات التغذية الأساسية والصحة للسكان الفقراء في العالم, وذلك- حسب تقدير الخبراء - لا يتجاوز (13 مليار دولار) وهو المبلغ الذي تستهلكه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من العطور.
إن ارتفاع مستوى الحياة في هذه البلدان قاد إلى هجران كثير من القيم التي تجعل المجتمع متماسكا, فأدى ذلك إلى الحصر St r ess والشعور بالوحدة وما إلى ذلك من الأمراض النفسية والجسمية.
إن العالم - كما يقول الأستاذ طه عبد الرحمن - مقبل على تحول أخلاقي جذري بتأثير التحولات المتلاحقة التي يشهدها في الحياة الفردية والاجتماعية, لأن هذه التغييرات تفرز ضرورة معايير أخلاقية جديدة, ويأمل أن يتجه قادة العالم إلى إيجاد نظام أخلاقي عالمي جديد, كما وضعوا نظاما تجاريا عالميا, حتى لا تنحرف العولمة إلى الظلم والعدوان على الأمم الضعيفة اقتصاديا وحضاريا. وبما أن الإسلام يتجه نحو العالمية منذ نزوله, ويحث على التعايش والسلم, وعايش فعلا في تاريخه مختلف الديانات وتسامح معها تسامحا واضحا عند المؤرخين وغيرهم, فإنه مؤهل بتعاليمه الأخلاقية أن يشارك في وضع أخلاق جديدة لهذه العولمة المنفلتة لحد الآن, وهو يعترف بالقيم المشتركة بين الحضارات, ولا شك أن الدعوة إلى الفهم المتبادل للقيم الحضارية الشرقية والغربية من سمات الإسلام الرئيسية, فقد دعا إلى الحوار مع ديانات أخرى, منذ نزول القرآن, ونادى بالحوار بين الأديان وأزاح الغبار عما طرأ على بعض الديانات من الخرافات والتحريفات, ودعا إلى الأصل المشترك بينها جميعا.