فهرس الكتاب

الصفحة 3647 من 27364

( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) { آل عمران: 64 } , فعلى المسلم اليوم أن يحدد رسالته نحو العولمة ويبني موقفه على الفهم الصحيح للإسلام, وأن ميزانه ميزان أخلاقي ( التقوى ) حين يتحاور ويتعاون مع البشرية في العالم إذ ألغى ميزان العصبية واللون, والطبقة والثروة, وجعل عمارة الكون والإحسان إلى العالمين من مبادئه ومقاصده, وكذلك المشاركة في توفير الخير للناس, وحفظ الحقوق, ومنع الظلم وإن كان مع عدو أو مخالف في الدين, ( ..ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى .. ) { المائدة: 8 } وعد القرآن اختلاف اللغات والألوان - واختلاف اللغات هو أيضا اختلاف الثقافات - فهذا المعنى الأخلاقي القرآني إذا راعيناه فإن العولمة لا تصبح غابة يأكل القوي فيها الضعيف, ولا تمحو الثقافة التي أتيحت لها عوامل القوة ثقافة الآخرين وقيمهم, مما يدعو إلى نشوب الحروب والمقاومة. وإذا كان يتبع العولمة بقصد أو بغير قصد إشاعة الفساد والانحلال, وبيع الشهوة وحمى الاستهلاك, فإن من شأن المسلم أن يقاوم هذه العوامل من الفتنة ويعمل جهده أن تسود القيم التي تحفظ على الإنسان كرامته, ولا شك أن العولمة يمكن أن تكون لها جوانب إيجابية مثل تداول التقنية والمعرفة المتاحة, فيمكن لشباب الشعوب النامية أن يستفيد من ذلك كله لرفع شأن شعوبهم ومستواهم الثقافي والحضاري, ومنع إطلاق الوحش الذي يكمن في الإنسان ليحطم الكوابح الأخلاقية إذا غاب الدين, واختفت القيم, وسادت موجات العنف, والحروب, والفساد الاجتماعي.

إن بعض القيم كالحرية والأخوة والعدل هي قيم متعالية إنسانية, لا يمكن أن يتنكر لها الإنسان إذا سلمت فطرته من الفساد. إن 80% تقريبا من سكان الأرض يتبعون الدين, بالرغم من الشك الذي يسود بعض البلدان, والدين يدعو إلى الرحمة. بل إن الإسلام جاء رحمة للعالمين, كما وردت أيضا عدة مرات كلمة الرحمة في الكتاب المقدس, ولكن الناس لا يراعون هذا المعنى, فترى النزاع بين الهندوس والمسلمين في الهند, بين الكاثوليك والبروتستانت في ايرلندا, وبين المسلمين والنصارى في البلقان والسودان, ونيجيريا وإندونيسيا, إن ذلك يرجع إلى عداوات تاريخية قائمة على سوء الفهم, وعدم التسامح والانفتاح على الآخر, بالإضافة إلى العوامل السياسية والاقتصادية والعرقية الأجنبية التي تغذي بعض هذه الصراعات, فالروس مثلا يساندون الصرب, والألمان يؤيدون الكروات, في حين أن البلاد الإسلامية تساعد المسلمين بما في ذلك تركيا. ويشير جيمس ميتلمان أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الأمريكية بواشنطن إلى أن العولمة تنطوي على إمكانات الضرر بالأديان, وإفادتها في الوقت نفسه, فالعولمة في جانبها الإعلامي والثقافي وترويجها للأنماط الاستهلاكية والتحلل من القيم تتحدى المنظومات الدينية والأخلاقية وتضعف إقبال الجيل الجديد عليها, ولكن يمكن القول بأن الدين يستفيد من وسائل الاتصال المعاصرة الفعالة بتوظيفها في نشر الرسالة الدينية والدعوة إليها, ولذلك فإنه بالرغم من هذه العوامل المشار إليها التي تتحدى القيم الدينية والأخلاقية, فإن الأديان والدعوة الأخلاقية التي تقاوم الثقافة الاستهلاكية يمكن القول بأنها سائرة في طريق اكتساب أنصار في العالم حتى سكان الولايات المتحدة.

وينبغي أن يشار هنا إلى الوجود الإسلامي في القارة الأوروبية الذي يصل إلى حوالي ( 15 مليونا ) منها خمسة ملايين في فرنسا وحدها, وما يعانيه المهاجرون المسلمون من إشكالية الهوية, ذلك أن موجات العنصرية تتزايد ضد هذه الجاليات المسلمة, كما أن احتماءهم بهويتهم واكتشاف جديد لهويتهم لأنها أصبحت مهددة, أدى هذا إلى شعور حاد بالقلق وخاصة لدى الآباء خوفا على هوية أبنائهم من الذوبان, ويتصور بعض الباحثين أن الإسلام يمثل عاملا مقاوما لتحدي العولمة.

فضلا عن الجماعات الغربية المتعددة المقاومة لهذه العولمة, ومن خلال التحليل الواقعي للتاريخ, وهذه الظروف التي يمر بها العالم ينبغي أن يتفطن المسلمون - إن في العالم الإسلامي وإن في هامشه وهو الوجود الإسلامي في الغرب - إلى رسالتهم في أن يضفوا على العولمة السمة الإنسانية الإسلامية, والعمل على أن تكون في إطار أخلاقي عالمي مشترك, ومنعها من التفرعن والنزعة الامبراطورية الرومانية وما إلى ذلك من وجود الاستبداد والفساد. ولا شك أن الشباب في العالم الإسلامي له قدرات وإمكانات وطاقة لا تقدر بثمن, وهي كفيلة إذا قامت بواجبها أن تشارك في توجيه صيرورة هذه العولمة العارمة, إذ ليست الحضارة الغربية هي نهاية الحضارات وخاتمة التاريخ كما يزعم بعض الكاتبين المنبهرين بانتصار الليبرالية الجديدة, وخمود الاتحاد السوفيتي وانحلاله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت