ونزيد على ذلك بالتساؤل: ما جدوى دراسة مادة الرياضة باللغة الإنجليزية على سبيل المثال؟ وما هي الجدوى من وراء دراسة الأدب الإنجليزي؟ وحفظ قصص شكسبير ودراسة ما فيها من أفكار تتنافى مع طبيعة المجتمع الإسلامي؟ لماذا لا نسعى لدراسة الأدب العربي، وإتقان الشعر العربي ومعرفة بحوره. أليس هذا من الأجدى لنا؟ بل أود التنبيه إلى وجود رأي بدأ يسود بين علماء التربية، مفاده أن الأطفال التي تتلقى دروسا في لغة أخرى قبل إتقان لغتها الأم، فإن ذلك يؤدي لعدم تقدمهم في اللغتين معا، وهو ما يعرف بظاهرة الاعتماد المتبادل inte r dependence.
ولعلنا نفهم الموقف بشكل أعمق إذا ما نظرنا إليه نظرة تاريخية. ذلك أنه بعد احتلال الإنجليز لمصر بدءا من عام 1882، فقد تولى"القسيس دنلوب"مقاليد وزارة المعارف ( التعليم ) المصرية الإسلامية، ليشرف على وضع المناهج وتفريخ أجيال المسلمين الجدد. وكان الهدف الأساسي لهذا القسيس هو ضرب الأزهر، بما يمثله من حفاظ على اللغة العربية، وهي لغة القرآن، وذلك بفتح مدارس جديدة تعلم"العلوم الدنيوية". في هذه المدارس تختصر العلوم الشرعية من قرآن وتفسير وعلوم حديث وفقه وعقيدة وشريعة وأصول فقه إلى مادة واحدة فقط تسمى ( التربية الدينية ) . وليس هناك أدنى اهتمام بهذه المادة فهي خارج المجموع. أي أن المواد الاجتماعية على سبيل المثال أهم منها. بل تأتي اللغة الأجنبية لتتربع على القمة بلا منازع، فهي السيدة التي تدور في فلكها بقية المواد الأخرى، وأولها اللغة العربية. وهكذا فُرضت لغة المستعمر بسياسة الأمر الواقع، مع انتهاج كل الوسائل الممكنة التي تؤدي لضياع لغة البلاد الأصلية.
والآن نود أن نعرف لماذا يحرص الغرب الصليبي على ذلك؟ هل هو حريص على أن يتخرج أجيال من المسلمين على أعلى مستوى من التعليم لخدمة قضايا التنمية والتقدم في بلادنا؟ أم أنهم يخططون لإفراز أجيال من المسلمين مقطوعي الصلة بماضيهم غير واعين بعقيدتهم يقفون هم بأنفسهم حجر عثرة أمام تحقيق طموحات شعوبهم وآمالها بتطبيق نصوص دينهم والالتزام بعقيدتهم؟ ماذا يخشاه الغرب من دراسة المسلمين لأصول دينهم؟ إنهم يخشون رجوع المسلمين لعقيدتهم والالتزام بنصوصها وخاصة مفهوم الجهاد. بل أقول إن من الأجيال التي درست في هذه المدارس لا يستطيع بعضهم أن يفكر باللغة العربية، فهو يفكر باللغة الإنجليزية، ثم يترجم ما فكر فيه إلى اللغة العربية. فكيف سيتمكنون - والحال هكذا - من حل مشكلات مجتمعاتهم؟ وكيف سيدخل الجيل القادم المعركة الحاسمة مع الغرب الصليبي وهو غير فاهم لدستوره الذي بين يديه ( القرآن الكريم ) ؟
والآن لننظر: ماذا أفادت اللغات الأجنبية في قضية التعليم في الوطن الإسلامي؟ هل أدت لحدوث نهضة تنموية في علوم الطب والصيدلة والتشريح والهندسة بحيث تفرز أبحاث خاصة بتلك الدول تعتمد عليها في تحقيق نهضتها الموعودة. إن جميع المكاسب التي تحققت هي مكاسب فردية مادية دنيوية لم تصب في جانب المجتمع والدين.
لقد قال الله عز وجل في محكم التنزيل: ? يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ اْلآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ? ] الروم: 7[. قال ابن كثير في تفسيره ( ج: 3 / ص: 558 ) : أي أكثر الناس ليس لهم علم إلا بالدنيا وأكسابها وشئونها وما فيها، فهم حذاق أذكياء في تحصيلها ووجوه مكاسبها، وهم غافلون في أمور الدين وما ينفعهم في الدار الآخرة، كأن أحدهم مغفل لا ذهن له ولا فكرة. قال الحسن البصري: والله ليبلغ من أحدهم بدنياه أنه يقلب الدرهم على ظفره فيخبرك بوزنه وما يحسن أن يصلي. وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية: يعني الكفار يعرفون عمران الدنيا وهم في أمر الدين جهال.
وقال الله تعالى: ? قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِاْلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ? ] الكهف: 103-104 ].
أيها المسلم ... اعلم أنك موقوف بين يدي الله، فسائلك عن رعيتك: هل حافظت عليها أم ضيعت؟ فاعدد لهذا السؤال جوابا، وابتغ وجه الله تعالى عند اتخاذ قرارك بتعليم أولادك.
12 من صفر عام 1425 ( الموافق في تقويم النصارى 2 ابريل عام 2004 ) .
[1] الكاتب حاصل على دبلوم ترجمة الفورية والتحريرية، حتى لا يظن ظان أنه يتخذ هذا الموقف لأية أسباب أخرى.