فهرس الكتاب
لقد كانت صحوة للأمة الإسلامية من سكرها الذي عاشت فيه عقودا متطاولة ، ويقظة من نومها الذي دام سنين عددا ، وانتباهة من غفوتها التي ظلت فيه دهرا مديدا ، ولكنها صحوة صاحبتها غضبة ، ويقظة قارنتها ثورة ، وانتباهة على إثرها بدأ الزحف المتواصل الذي لم ينقطع حتى الآن .
لقد كان الحدث السعيد الذي بهر العالم ، وحيت به الأمة الأسلامية بعد موات ، وعلى خلاف توقعات كل المتوقعين ، وبرغم إرجاف المرجفين ، وتخذيل المنافقين ، نهض شباب الأمة ، بل وشيوخها وأطفالها ونساؤها يعاضدون هذه الصحوة ، كل على قدر ما يستطيع ، ولكنها كانت صيحة جماعية تطامنت لها الجبال ، وخضعت لها رقاب المستكبرين ، وأصبحت واقعا لا ينكره إلا سكير أو عنيد ، أو من ينتظر أن تزهق روحه تحت سنابك الصحوة ليتأكد أنها حق ( وأن الله موهن كيد الكافرين ) .
( نجاحات وإخفاقات )
إن هذه الصحوة نشأت في رحم الجو الاستعبادي الذي جثم على العالم الإسلامي إبان العهود الاستعمارية ، فتمالأت العقول المفكرة والمدبرة تلتمس لهذه الصحوة أنموذجا تقتدي به ، وقبلة تيمم شطرها نحوه .
ولا يجوز أن نجحد أنه قد كان في صفوف تلك الصحوة دخلاء ومتطفلون ومتسلقون بل وعملاء وخونة ، وبعض المخلصين من أبنائها انطلت عليه أحابيل الأعداء فسلك طريقا في مساعدة الصحوة أدى بها فيما بعد إلى انحرافات ومجازفات .
وقبل أن يسوء الفهم فإننا لا نستطيع أن ننكر أن الصحوة عندما بدأت حققت انتصارات متوالية ، وزحفت زحفا مؤزرا في كل الأرجاء ، مما ينبئ عن مقدار القبول الذي حظيت به في قلوب الناس .
وفي عصر كان التغريب فيه دين الأكثرية ، صار الإسلام يكتسح القلوب دون عائق ، وصارت الجماهير الإسلامية تنادي صراخا وهمسا ( كل على قدر استطاعته ) بالعودة إلى دين الله تعالى .
وكان هذا في حد ذاته انتصارا باهرا ونجاحا ساحقا ، بالمقارنة بما كانت تعانيه الأمة من ضعف وهوان وتبعية .
لقد نجحت الصحوة في إعادة ملامح العقيدة الصافية إلى قلوب الناس ، عقيدة أهل السنة والجماعة ، والسلف الصالح من الصحابة والتابعين ، نعم … لقد انتصرت هذه العقيدة ، وكان لها النصر المؤزر في كل الميادين ، ودون توجيه من موجه ، أو إرشاد من مرشد ، لقد اتجهت الصحوة منذ مهدها إلى كتب التراث العتيقة ، تبحث عن المَعين الذي نصر أجيال المجد الإسلامي القديم ، فوجدت أن نصرهم إنما انبنى على منهج عقدي وعبادي وأخلاقي ثابت ، هو ما كان عليه صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقرون الفضل والخير التي مدحها صلى الله عليه وسلم نصا ، والتي ظهر انتصارها على من عداها تاريخا .
كما نجحت الصحوة في زرع العاطفة الدينية في قلوب الناس ، فأصبح التدين أمرا يتمناه كل مسلم ، لولا ما يضعه أعداء الله أمام الدين من عوائق وتهديدات وتخويفات .
كما نجحت الصحوة إلى حد بعيد في التميز والاستقلالية ، ولا يمنع ذلك من إثبات وقوع الصحوة في بعض من الأخطاء المنهجية التي قدحت في هذا التميز أو تلك الاستقلالية .
ونجحت الصحوة كذلك في الانتشار عبر كل الميادين ، أفقيا ورأسيا ، كما وكيفا ، وكان هذا الانتشار سببا في تكثير أعدائها وممالأة شانئيها ضدها ، حتى اجتمعت قوى الكفر في العصر الحديث على إعلان القرن العشرين والحادي والعشرين زمن المواجهة مع الإسلام بعد أن تخلص الغرب من العدو الشيوعي ، وتفرغ لعدوهم المسلم اللدود .
وبإزاء كل هذه النجاحات كان هناك الكثير من الإخفاقات أيضا ، وفي نفس المجالات التي حققت الصحوة نجاحاتها .
ولأجل ما قدر الله تعالى في أفعالنا من النقص ، ولعزة الكمال بين الأناسي ، ولأجل ضعف خبرات الصحوة ، وقلة إمكانياتها ، وكثرة مؤامرات أعدائها ، وتسلط الكثير من ذوي الأهواء في إدارة شئونها ، رأينا الكثير من الإخفاقات ، ولمسنا مشاهد الفشل في العديد من الميادين التي خاضتها الصحوة ، لقد كان قدر الفشل يجري دون تقصير في بعض الأحايين ، ولكنه كثيرا ما كان يصيب الجهود بسبب التقصير الواضح وعدم الاستعداد .
وكانت إصبع الاتهام تتجه بحدة وشدة إلى جيل الشباب الذي يمثل الصحوة في معظم بلدان العالم ، وتنامى دوره في قيادة دفة الصراع الحضاري بين الإسلام وخصومه ، ما هو موقفهم من هذه الإخفاقات ؟
وأحسب أن من محاسن الصحوة الإسلامية أنها نجحت في الآونة الأخيرة إلى حد بعيد في تقبل النقد الذاتي ، ومحاسبة النفس ، والبحث عن القصور والعيوب التي كانت سببا في توالي الإخفاقات ، ولم يعد أحد من المنتسبين إلى الصحوة يستنكف عن مراجعة النفس في ما يأتي وما يذر إذا تبين له وجه الحق فيما نصح فيه ، إلى من أغواه هواه ، وأرداه ضلاله وعجبه بنفسه .
وكان السؤال الملح الذي صار يطرح في كل مكان ، ويتداوله العلماء والدعاة أينما حلوا أو ارتحلوا: ما هو حال شباب الأمة ، وإلى أين يتجهون ، وما هو دورهم إزاء هذه الورطة والمحنة التي تعانيها الأمة ؟
( الشباب إلى أين ؟ )