والله الخالق العليم عالم الغيب والشهادة، قد أودع في كتابه من الحجج والبراهين الدالة على وجوده وأنه رب كل شئ ومالكه، ما لا يدع لمنكره منفذا يفر من براهينه وحججه، سواء قل المنكرون أو كثروا، وحججه وبراهينه منتزعة من آياته الكونية ومخلوقاته، فالكتاب المقروء يَنْصِب للجاحدين الكتابَ المفتوح وهو الكون كله، كما قال تعالى: (( أم خُلقوا من غير شئ أم هم الخالقون، أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون ) ) [الطور: 35-36]
وقال تعالى: (( أ مَّن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون، أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون، أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون، أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون، أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) ) [النمل: 60-64] .
ومع هذا كله-أي مع كون وجود الخالق الذي كانت الأمم تعترف به، وكانت الرسل تستدل بهذا الاعتراف على وجوب عبادته وحده وعدم الإشراك به، ومع وجود كثرة الحجج والبراهين في الكتاب المقروء والكتاب المفتوح، على وجوده وأنه خالق هذا الكون، ومع بسط علماء المسلمين في القديم والحديث الكلام عن هذا المعنى، ومع وجود دول إلحادية في هذا العصر قامت على إنكار هذا الأصل الذي كان بالأمس مُقَرًّا به لدى عامة أمم الكفر، وأصبح الآن محل إنكار-مع هذا كله وجد من ينتسب إلى العلم ويزعم أنه لا داعي لإدخال هذا الأصل الذي سماه علماء الإسلام"توحيد الربوبية"في مباحث العقيدة لإبرازه والدعوة إليه، لأنه هو الدليل على توحيد الألوهية فهو بد هي، والرسل لم تكن تدعو أممها إليه!!!
أيعقل هذا الكلام؟! إذا أنكر مراض القلوب وضعاف النفوس ما كان في الأصل دليلا، أفلا ندعوهم إلى الإقرار بهذا الدليل الذي أقرت به الأمم وتظاهرت عليه آيات الكون ومخلوقاته كلها؟! وإذا أصبح الدليل مُنكَرًا ولم نقم الحجج على منكريه ونجعل عقولهم تقربه، فهل هذه مزية لنا؟ وهل نعد متبعين حقا للرسل الذين كانوا يستدلون بهذا الأصل على وحدانية الله وعبادته بلا شريك معه؟!
ألم يكن نبي الله موسى عليه السلام يعلم أن فرعون كان-في الواقع-مستيقنا بأن الله هو خالق السماوات والأرض، وأن الآيات التي جاء بها موسى كانت حقا، وأن إنكاره وجحده ما كان إلا مكابرة منه؟! كما قال تعالى: (( فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين، وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ) ) [النمل: 13-14] .
ومع ذلك فإن موسى عليه السلام أقام الحجة على فرعون عندما ادعى الربوبية وسخر من دعوة موسى إلى الإيمان بربه، فقال كما ذكر الله تعالى عنه: (( قال فرعون وما رب العالمين ) )فأجابه موسى بقوله. (( رب السماوات والأرض إن كنتم موقنين ) ) [الشعراء: 23-24] .
لقد خلت مناهج بعض المعاهد والجامعات والمدارس الإسلامية، في هذا العصر الذي ظهر فيه هذا الإلحاد، واستفحل وانتشر عن طريق التعليم والإعلام والسياسة والاقتصاد وعلوم النفس وعلوم الاجتماع، وعن طريق الغزو المسلح والإكراه على إنكار وجود الله، خلت تلك المناهج من بحوث يتسلح بها الطلاب ودعاة الإسلام، في إقامة الحجج والبراهين، على تفاهة هذا الإلحاد وإزالة ما علق بعقول عدد كبير من الناس، ومنهم بعض ذرا ري المسلمين، ووقف كثير ممن تخرجوا في تلك المؤسسات الإسلامية عاجزين عن رد شبهات إلحادية كثيرة بثها الملحدون في مناهج التعليم وكتبه في بعض البلدان الإسلامية، إلا من اجتهد من أولئك المتخرجين اجتهادا ذاتيا فدرس بعض المؤلفات وقرأ بعض البحوث التي ألفها بعض الغيورين من دعاة الإسلام، أو لازم بعض هؤلاء الدعاة واستفاد منهم، فإنهم انطلقوا بحجج وبراهين مثل الصواريخ تدمر كل شئ أتت عليه من مبادئ وأفكار وشبهات أولئك الملاحدة.
ومع ذلك فقد اجتهد بعض دعاة الإسلام، فوضعوا في مناهج بعض المدارس بحوثا وكتبا مزودة بأدلة علمية وحجج وبراهين قوية في هذا المعنى، استأصلوا بها شجرة الإلحاد من بلادهم وقد كادت تمد جذورها فيها، وكان ذلك تحصينا لطلابها وسلاحا يهاجمون به أساطين الإلحاد في عقر دارهم [كان ذلك في اليمن، حيث ألف الشيخ عبد المجيد الزنداني كتب التوحيد الستة التي قررت على طلاب المتوسط والثانوي فقضى الله بها على الإلحاد في اليمن وأصبح الطلاب اليمنيون الذين ابتعثوا إلى البلدان الشيوعية يوجهون أسئلة إلى المشرفين عليهم من الملحدين تفحمهم كما ذكر ذلك الزنداني في بعض كتبه.] .