فهرس الكتاب

الصفحة 10159 من 27364

أما موقع العالم الإسلامي، ومنه العالم العربي، فسيكون في قلب هذا التحول العالمي الخطير. إن تصريح (بوش) الذي حدد فيه طبيعة الحرب ضد الإرهاب بأنها"حرب صليبية"لم يكن مجرد"زلة لسان"كما قيل، كما أن تصريحات الرئيس الإيطالي (بيرلوسكوني) حول الإسلام وحضارته لم تكن سهواً أو خطأ ديبلوماسياً. مثل هذه التصريحات ينبغي أن تؤخذ على محمل الجد, وأن ينظر إليها كتعبير عن النوايا الدفينة لأصحابها. وتصريحات (بوش) المتكررة التي قال فيها بأن الإرهاب مصدره"الشر"الكامن في النفوس (لافي السياسات الدولية والعوامل الخارجية) هي تصريحات تشير إلى المضمون والأبعاد التي تعطى لمفهوم"الإرهاب"لدى الولايات المتحدة الأمريكية!!

إن هذا التحديد لمصدر الإرهاب يعني أن الإرهاب ليس نتاجا للظلم العالمي ، والاحتلال والعدوان العسكري ، والسياسات الأمريكية والغربية تجاه الدول والشعوب، بل نتاج الثقافات والعقليات والأفكار والقوالب الحضارية والهوية، لقد أصبح"الشر"يتجه إلى نفسيات الشعوب وأساليب التربية والتنشئة الاجتماعية والسلوك، في مقابل"الخير"الذي تعبر عنه الحضارة الغربية بثقافتها وأساليبها التربوية والعقليات والأفكار الغربية والأمريكية.

يلتقي هذا المفهوم العنصري البغيض تماما مع مضمون نظرية"صدام الحضارات"، وفي جذور هذه النظرية وغيرها من نظريات الاستشراق الغربي ينبغي إيجاد تفسير ل"زلة لسان"الرئيس الأمريكي وتصريحات الرئيس الإيطالي، لا في شيء آخر خارجها. أما ذلك التمييز التكتيكي الذي حاول الزعماء الأوروبيون والأمريكيون وضعه بين الإسلام والإرهاب فليس سوى طريقة للخداع، وما يؤكد ذلك هذه الحملات"المسعورة"ضد الجمعيات والمنظمات الإسلامية الخيرية والفكرية والثقافية عبر مجموع دول العالم الغربي، والدعوات والمطالب الموجهة إلى الدول العربية والإسلامية بمحاربة الجمعيات الإسلامية الخيرية والدعوية وتجفيف منابعها، فهذا يؤكد أن الغرب لا يضع فرقا بين ما يسمى إرهابا، وبين الإسلام في تعبيراته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المختلفة، وأن الإسلام هو المستهدف أولا وآخراً. وأن اللوائح التي وضعتها واشنطن بأسماء المنظمات والجمعيات المتهمة بالإرهاب لا تترك مجالا للشك حول النوايا"الصليبية"والاستعمارية للولايات المتحدة والغرب من ورائها، فما يجمع بين أسماء هذه المنظمات كونها لا تحظى برضا واشنطن، ولا نستغرب بعد هذا إذا وضعت أمريكا حركة حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله في إحدى هذه اللوائح، لأن منطق الاستعمار الجديد لا يفرق بين"الإرهاب"وبين"المقاومة المشروعة"، ولأنه أيضا منطق مقلوب، يتعامل مع الاحتلال باعتباره واقعاً تاريخياً وسياسياً وجغرافياً ثابتاً ، ومع المقاومة ضده باعتبارها خرقاً للاستقرار !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت