بالأشياء، وأن على المسلمين إذا أرادوا ـ بحق ـ أن يقوموا بدور في المستقبل، ألاّ يسمحوا للأشياء بأن تجرهم بعيداً عن جذورهم الروحية وقيمهم الأخلاقية التي منحهم الإسلام إياها"فلو أنهم احتفظوا برباطة جأشهم وارتضوا الرقي وسيلة لا غاية في ذاتها، إذن لما استطاعوا أن يحتفظوا بحريتهم الباطنية فحسب، بل ربما استطاعوا أيضاً أن يعطوا إنسان الغرب سرّ طلاوة الحياة الضائع" (11) .
لقد اندفعت الحضارة الغربية بعين واحدة، وبمرور الوقت أخذت تفقد قدرتها على إبصار كل ما هو روحي وأخلاقي، وبما أن هاتين القيمتين ترتبطان بالوجود البشري ارتباطاً صميماً وتميزانه عن بقية الخلائق والموجودات، فإن التقدم المادي الذي يمضي بعيداً عنهما لن يخدم الإنسان في نهاية الأمر، ولن يأمن من عواقب الاندفاع الذي لا تضبطه قيم ولا توجهه معايير ولسوف تكون النتائج في المستقبل أشد خطراً لأن التراكم المادي يتزايد بحسابات مذهلة لمتوالية هندسية ويبعد أكثر فأكثر عن أي كابح أخلاقي أو استبصار روحي لمغزى الحركة ومعناها الأخير. من ثم فإن أحداً لا يمكن أن يتهم مفكرا كـ (جورج سارتون) ، غرق في دراسة تاريخ العلوم حتى شحمة أذنيه بالمبالغة وهو يحكم على"التقدم المادي الخالص"بأنه أمر"مدمر"وأنه"ليس تقدماً على الإطلاق بل تأخر أساسي"ذلك"أن التقدم الصحيح ـ ومعناه تحسين صحيح لأحوال الحياة ـ لا يمكن أن يُبنى على وثنية الآلات ولا على العتلات، ولكن يجب أن يقوم على الدين وعلى الفن، وفوق ذلك كله على العلم، على العلم الخالص، على محبة الله، على محبة الحقيقة، وعلى حب الجمال وحب العدل. وهذا يبدو لنا جلياً حينما نلقي نظرة واحدة إلى الوراء .. إن ما نراه واضحاً هناك يجب أن يكون واضحاً أيضاً حينما نمد نظرنا إلى الأمام فيهدي خطانا إلى المستقبل" (12) .
والمدنية، كما يؤكد ( سارتون) "ليست مرضاً، ولكن من الممكن أن تنقلب شراً وفساداً" (13) وذلك بمجرد أن تفقد بطانتها الروحية وتتنازل عن ضوابطها الأخلاقية، فتغدو مجرد محاولة للتكاثر المحض لا هدف لها ولا مغزى. ثم إن المدنية ليست حكراً على بيئة دون أخرى، إنها بتعبير (سارتون) "ليست شرقية ولا غربية، وليس مكانها في واشنطن أكثر مما هو في بغداد، إنها يمكن أن تكون في كل مكان يكون فيه رجال صالحون ونساء صالحات يفهمونها، ويعرفون كيف يستفيدون منها من غير أن يسيئوا استعمالها. والشرق الأوسط كان مهد الثقافة، ومنه جاءت أسباب إنقاذ العالم في أثناء العصور الوسطى حينما بدأ الستار الحديدي في أوروبا يشطر العالم شطرين: الأرثوذكسي والكاثوليكي. وها نحن اليوم ننظر إلى ماضي الشرق الأوسط بعين من عرفان الجميل، ثم نرنو إلى مستقبله بعين من الأمل الحلو" (14) وليس ذلك بالأمر المستحيل كما قد يخيل للبعض فإن"شعوب الشرق الأوسط قد سبق لها أن قادت العالم في حقبتين طويلتين.. وليس ثمة ما يمنع تلك الشعوب من أن تقود العالم ثانية في المستقبل القريب أو البعيد" (15) .
ولن تكون ممارسة الدور من خلال قدرات يتفوق فيها الغير بطبيعة الحال، إنما بالتحقق بشيء كبير لا يملكه (الآخر) أو يعرف عنه شيئاً، فإن الحضارة المادية لن تجعل الغرب يخلي الزمام لمن هم أقل شأناً في ميادينها كافة، ولكنها العقيدة التي تحتوي النشاط الحضاري وتمنح المسيرة البشرية المغزى والهدف .. تعيد إلى الغربيين أنفسهم ما فقدوه:"سر طلاوة الحياة الضائع"إذا استعملنا عبارة (ليوبولد فايس) .
وتؤكد (جميلة قرار) ، النمساوية التي اعتنقت الإسلام أن هذا الدين"هو في الحقيقة حركي"وأنه يستطيع"بفضل جهود المسلمين أن يشكل قوة ثورية تحرر الإنسان من العبودية للقوة، وخاصة القوة المدمرة المهلكة، وأن تقوده إلى التقدم البنّاء، وتمكّنه من تطوير قدراته وإمكاناته الإيجابية المختلفة" (16) . وهي تدعو"المسلمين المستنيرين"إلى أن يبينوا لغير المسلمين"أولئك الذين يبحثون عن غايات جديدة وقيم لحياتهم، إن الإسلام هو نقطة البدء الجديدة أمام الإنسانية جمعاء" (17) . وهذا لا يعني بالتأكيد أيما قدر من التنازل عن المكتسبات المادية، والمدنية عموماً، ذلك"أن الإسلام بصفته ديناً عالمياً وعقيدة كونية يعتبر مناسباً لكافة مراحل تطور الحياة الإنسانية في المستقبل. فهو ينسجم مع منجزات الإنسان الحديثة في كافة مجالات النشاط الإنساني" (18) .
ويشير (كويلر يونغ) إلى الإسهام الفعال للثقافة الإسلامية"في الحضارة العالمية المعاصرة .. فليس من المعقول لثقافة حية كثقافة الإسلام.. ألاّ يكون لها تأثير بالفعل أو بالقوة" (19) في معطيات المعرفة الراهنة وتشكلها في المستقبل. هذه المشاركة التي يؤكدها (در منغم) بصيغة تحقيق للتواصل بين الغرب والشرق، وإرفاد لعالم المستقبل"بادخار العالم القديم" (20) ، ويراها (اتيين دينيه) تبشر"بمستقبل حافل بأعظم الآمال وأعلاها شأناً"وبإسهام حضاري فعّال، وبتكشف متزايد لنا الإسلام الحقيقي .. (21)